المحتويات
مقدمة في فقه العبادات وأحكام السجود
يحتل السجود في الشريعة الإسلامية مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة، فهو أقرب ما يكون العبد فيه من ربه سبحانه وتعالى. وفي خضم العبادة والتقرب، يحرص المسلمون على استغلال هذه اللحظات المباركة بالدعاء والتسبيح والتحميد تعظيماً لله جل وعلا. ومن المسائل العملية التي تتكرر في أذهان المصلين، وتحديداً فيما يتعلق بسنن الهيئة والأقوال المأثورة في الصلاة، هي مسألة عدد مرات تسبيح السجود، وهل يقتصر الأمر على الحد الأدنى المجزئ، أم يجوز الزيادة لأكثر من ثلاث مرات؟ وما هي آراء المذاهب الفقهية في هذا الباب الواسع من أبواب الذكر؟
المفهوم الشرعي لتسبيح السجود وحكمه
التسبيح في السجود هو قول المصلّي: "سبحان ربي الأعلى"، وهو من الأذكار المستحبة المؤكدة في صلاة المسلم، سواء كانت فرضاً أو نفلاً. وقد اتفق فقهاء الأمة على أن أصل التسبيح في الركوع والسجود سنة مؤكدة، وليس ركناً تبطل الصلاة بتركه عمداً أو سهواً عند جمهور العلماء (عدا الحنابلة في رواية أو تفصيل يرى وجوب التسبيح مرة واحدة).
ولكن النقاش الفقهي لا يدور حول أصل مشروعية التسبيح، بل يدور حول أمرين أساسيين:
الحد الأدنى المجزئ: ما هو أقل ما يجزئ المصلّي ليحصل على أجر التسبيح وتبرأ به ذمته؟
الزيادة والكمال: هل تُسنّ الزيادة على العدد المعتاد، وما هو الحد الأقصى الجائز أو الأفضل للمنفرد والإمام والمأموم؟
الأدلة الواردة في عدد تسبيحات السجود والركوع
وردت أحاديث متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم تحدد أو تبين عدد التسبيحات في الركوع والسجود، ومن أبرزها:
ما جاء عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 96] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: "اجعلوها في سجودكم" (رواه أبو داود وابن ماجه).
وما ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" (رواه مسلم).
أما في تحديد العدد، فقد ورد في بعض الطرق والروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصحاب أن التسبيح كان يکون عشراً في بعض هيئات الخشوع الطويل، أو ما ورد من روايات تتعلق ببيان الأدنى والأكمل.
تفصيل آراء المذاهب الأربعة في الزيادة على ثلاث مرات
اتفق علماء المذاهب الأربعة المعتمدة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على أن أدنى الكمال في التسبيح هو ثلاث مرات، وأن المصلّي إذا اقتصر على مرة واحدة أجزأه ذلك عند الجمهور، ولكن هل تجوز الزيادة على ثلاث مرات في السجود؟
1. المذهب الحنفي
يرى الحنفية أن السنة في التسبيح في الركوع والسجود هي ثلاث مرات كحد أدنى للكمال، ويجوز للمنفرد أن يزيـد على ذلك تفضيلاً للخشوع واستغراقاً للوقت بالطاعة، بشرط ألا يبلغ حداً يملّ المأمومين إذا كان إماماً. ويدل ذلك على جواز الزيادة المطلقة طالما انتفى الحرج والمشقة عن الآخرين.
2. المذهب المالكي
المعروف عند المالكية أن التسبيح في الركوع والسجود مندوب وليس واجباً، وأن الأفضل عندهم في السجود والركوع الاقتصار على قدر معين أو عدم التقيد بعدد صارم إذا كان المصلي منفرداً، مع مراعاة الهيئة العامة للصلاة. ويرى المالكية أن الإمام ينبغي ألا يطيل إطالة تخرج عن المألوف لئلا يشق على من ورائه، بينما للمنفرد أن يسبح بما شاء.
3. المذهب الشافعي
يذهب الشافعية إلى أن أدنى الكمال في تسبيح الركوع والسجود ثلاث مرات، وأكمل الكمال إحدى عشرة مرة للمنفرد. ويرون أن الزيادة على الثلاث مستحبة لمنفرد، بل وتكره الإطالة للـإمام إذا شق على المأمومين. ونصوا على أن العدد الأكمل يتدرج حسب الحال، فالثلاث هي الأصل المعتاد في صلاة الجماعة لعدم الإطالة.
4. المذهب الحنبلي
يوافق الحنابلة الجمهور في أن الواجب أو السنة المؤكدة هي مرة واحدة، وأن أدنى الكمال ثلاث مرات. ويجوز للمصلي أن يزيد على الثلاث تسبيحات، وكلما زاد كان أفضل في حق المنفرد، لورود الأدلة العامة في الحث على كثرة الذكر والدعاء في السجود، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يكون أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.