المحتويات
الإجابة القاطعة والمباشرة هي لا، ليس كفراً. إن إطلاق حكم الكفر على المسلم بسبب التعبير عن محبة علي بن أبي طالب أو الشهادة له بالولاية هو مجازفة عقدية كبرى لا يصمد أمامها دليل شرعي متين. فالولاية في جوهرها اللغوي والشرعي تعني المحبة والنصرة والاتباع، وهي معانٍ أصلية في صلب العقيدة الإسلامية تجاه آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، طالما لم تقترن بادعاء الألوهية أو النبوة أو صرف العبادة لغير الله عز وجل، وهذا هو الحد الفاصل بين الإيمان والشرك.
الجذور التاريخية والسياقات العقدية لمصطلح الولاية
حين نبحث في ثنايا التراث الإسلامي، نجد أن لفظ الولاية ليس طارئاً أو دخيلاً، بل هو مفردة قرآنية بامتياز. لكن الإشكالية نبعت من التوظيف السياسي والمذهبي لهذه الكلمة عبر القرون. إن القول بأن "علي ولي الله" يرتكز عند معتقديه إلى نصوص يؤولونها، مثل حديث الغدير الشهير "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وهو حديث صححه جمع من علماء السنة والشيعة على حد سواء. الخلاف الحقيقي ليس في الجملة بحد ذاتها، بل في تفسير مقتضيات هذه الولاية.
فالبعض يراها ولاية محبة ونصرة، والبعض يراها إمامة سياسية ودينية منصوصاً عليها. ومن الناحية الشرعية المجردة، فإن وصف صحابي جليل بأنه "ولي الله" هو وصف ينطبق على كل مؤمن تقي، فكيف بصهر رسول الله وأول من أسلم من الصبيان؟ إن التكفير سلاح حاد، والفقهاء الراسخون يحذرون من إخراج المسلم من دينه ما لم يأتِ بكفر بواح لا يحتمل التأويل. والولاية هنا تحتمل وجوهاً شرعية متعددة تجعل من الحكم بالكفر تخبطاً في منهج الاستدلال. إن استحضار هذا السياق ضروري لفك الاشتباك بين العاطفة الدينية والضوابط الفقهية الصارمة التي تحكم دماء المسلمين وأعراضهم.
تشريح الموقف الفقهي: هل العبارة تخالف أصل التوحيد؟
لكي يكون القول كفراً، يجب أن يصدم أصلاً من أصول الدين لا يقبل الشك، كإنكار وجود الخالق أو جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. أما ذكر علي بن أبي طالب بالولاية، فهو ذكر لفضل رجل بشره النبي بالجنة. إن المعترضين عادة ما يخشون من غلو العوام، وهذا تخوف مشروع في باب سد الذرائع، لكنه لا يرقى لمرتبة التكفير. التكفير يتطلب القصد والتعمد في مساواة المخلوق بالخالق.
لو تأملنا العبارة من منظور لغوي صرف، لوجدنا أن "ولي الله" صيغة تعبر عن القرب من الذات الإلهية بالعمل الصالح. هل يجرؤ أحد على قول إن علي بن أبي طالب ليس ولياً لله؟ بالتأكيد لا. إذاً، الخصومة هي حول الإجهار بها في الأذان أو الشعائر. وهنا ننتقل من دائرة العقيدة (كفر أو إيمان) إلى دائرة الفقه (سنة أو بدعة). والفرق بين الأمرين شاسع كالفرق بين السماء والأرض. فالبدعة -بفرض ثبوتها عند البعض- لا تعني الخروج من الملة، بل هي مخالفة في الفروع أو الهيئات التعبدية. لذا، فإن حصر النقاش في خانة "الكفر" هو تسطيح لعمق البحث الكلامي وتجاوز للحقائق التاريخية التي أثبتت أن هذه العبارة كانت شعاراً لمدارس إسلامية عريقة لم ينكر إسلامها أحد من المعتبرين.
الآثار العملية والاجتماعية لإطلاق أحكام التكفير
إن الخطورة في تسرع البعض بوصف هذه العبارة بالكفر تكمن في تمزيق النسيج الاجتماعي للأمة. عندما نحكم على ملايين البشر بالكفر لمجرد ترديدهم صيغة تعبيرية تجاه رمز ديني، فنحن نفتح أبواب الفتنة التي لا تبقي ولا تذر. القواعد الفقهية تقول "اليقين لا يزول بالشك"، وإسلام هؤلاء يقين، والقول بأن عبارتهم كفر هو شك ناتج عن اختلاف في التأويل.
علاوة على ذلك، فإن المنهج الوسطي يقتضي منا التمييز بين المصطلح وبين الممارسة. فإذا كان الشخص يظن أن علياً يدبر الكون مع الله، فهذا شرك لا ريب فيه، لكن هذا المعتقد لا تفرضه العبارة ذاتها. العبارة في أصلها سليمة، والنفوس التي جبلت على حب آل البيت تجد فيها طمأنينة ووفاءً لوصية النبي. إن حماية العقيدة لا تكون بالإقصاء، بل بالتبيين وتصحيح المفاهيم الغالية، دون اللجوء إلى سلاح التكفير الذي هو أشد وطأة من القتل. إننا بحاجة إلى قراءة موضوعية تعيد الاعتبار للغة العقل والوحدة، بعيداً عن التشنجات التي أفرزتها صراعات سياسية غابرة لبست ثوب الدين في لحظات ضعف تاريخية.
أبرز الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء حول المسألة
من أكثر الأخطاء شيوعاً عند تناول مسألة الشهادة الثالثة هي الخلط بين المشروعية العقدية والمشروعية الفقهية؛ حيث يظن البعض أن عدم وجوبها في الأذان يعني بطلان اعتقادها، وهو استنتاج يفتقر للدقة العلمية. النصيحة الذهبية هنا هي ضرورة التفريق بين ذكرها كجزء من أجزاء العبادة الواجبة وبين ذكرها كشعار إيماني أو كمال اعتقادي لا يقصد به الجزئية التشريعية.
كما ينصح الخبراء بضرورة تحري الدقة في نقل فتاوى العلماء؛ فكبار الفقهاء من مدرسة أهل البيت، مثل السيد السيستاني وغيره، يؤكدون أنها مستحبة في نفسها ولكنها ليست جزءاً من الأذان ولا الإقامة، ويحذرون من الإتيان بها بنية الوجوب. لذا، يجب على الباحث والمسلم الواعي تجنب إطلاق أحكام التكفير جزافاً، لأن التكفير يتطلب إنكاراً لضرورة من ضرورات الدين، والولاية لعلي بن أبي طالب ثابتة بنصوص قرآنية ونبوية محل اتفاق في أصلها وإن اختلف في تفاصيل تأويلها.
الأسئلة الشائعة حول قول "علي ولي الله"
1. هل يؤدي قولها في الأذان إلى بطلانه؟
اتفق أغلب الفقهاء المعاصرين على أن ذكر "علي ولي الله" في الأذان لا يبطل الصلاة ولا الأذان طالما لم يأتِ بها المكلف بنية أنها جزء واجب من الأذان. هي تعتبر "ذكراً ممدوحاً" في نفسه، ومصداقاً لتعظيم شعائر الله وتأكيداً لبيعة الغدير، بشرط تمييزها عن الأجزاء المنصوصة.
2. لماذا يراها البعض "بدعة" بينما يراها آخرون "إيماناً"؟
الخلاف نابع من تعريف البدعة؛ فمن يحصر العبادات في الأطر التوقيفية الجامدة يراها زيادة غير منصوصة، بينما يراها الآخرون استجابة لأمر قرآني بموادة ذوي القربى وشهادة حق لا تتصادم مع التوحيد أو النبوة، بل هي مكملة لهما في المنظومة العقدية.
3. ما هو الموقف الشرعي من تكفير من يقولها؟
التكفير هو حكم خطير لا يجوز إطلاقه على من نطق بالشهادتين. وبما أن عبارة "علي ولي الله" لا تتضمن إشراكاً بالله ولا إنكاراً لنبوة محمد (ص)، بل هي إقرار بمكانة صحابي وخليفة عظيم، فإن تكفير قائلها يعد مجازفة شرعية كبرى تخالف إجماع الأمة على حرمة دماء وأعراض الموحدين.
رأي المحرر الختامي
في الختام، إن الجدل حول قول "علي ولي الله" يجب أن يخرج من دائرة الصراع الطائفي إلى فضاء الفهم المقاصدي. من الناحية العلمية والموضوعية، لا يمكن اعتبار هذه الجملة كفراً بأي حال من الأحوال، فهي تعبير عن حب وولاء لشخصية هي محل إجماع في فضلها. الاعتدال هو الحل؛ فمن أراد ذكرها فليكن ذلك حباً لا تعصباً، ومن تركها فلا ينبغي له أن يرمي إخوته بالخروج عن الملة، فالدين يسع الجميع والوحدة الإسلامية هي الغاية الأسمى.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.