تُعد الهيئة الشخصية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم محل عناية فائقة واهتمام بالغ من قِبل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فقد حرصوا على نقل دقيق تفاصيل خلقه وهيئته وشكله لتبقى سيرةً ملموسة وناطقة بكل تفاصيلها للأمم المتعاقبة. ومن أبرز التفاصيل الجسدية التي وردت فيها الروايات والأحاديث الصحيحة هي هيئة شعره الشريف، وكيف كان يتركه أو يقصه، وما هي الأوصاف الدقيقة التي نقلها أصحابه الذين عاينوه عن قرب في مختلف الأحوال والسفر والحضر.
وقد اختلف الناس كثيراً في فهم هذه النصوص وتوجيهها، مما يفتح الباب واسعاً أمام بيان الحقيقة العلمية والتاريخية المستندة حصراً إلى كتب السنة المشرفة وكتب الشمائل كشمائل الإمام الترمذي وغيره. إن الحديث عن شعر النبي صلى الله عليه وسلم ليس ترفاً تاريخياً، بل هو جزء من الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في سمته وهديه العام، مع التفريق الدقيق بين ما هو سنة تشريعية ملزمة وبين ما هو عادة بشرية بيئية جرت بها العادة في ذلك الزمان والمكان من بيئة الجزيرة العربية.
لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على حالة واحدة طوال حياته، بل تباين بحسب الظروف والأحوال التي كان يمر بها من سفر وحضر ونسك. فعندما نتأمل الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما نجد أن طول شعره الشريف كان يبلغ أحياناً شحمة أذنيه، وربما زاد عن ذلك قليلاً ليضرب منكبيه في أوقات أخرى عندما يتركه ولا يقصه لفترة من الزمن، بينما كان في حالات السفر والنسك يقصر أو يحلق بحسب مناسك الحج والعمرة أو ما تقتضيه الحال.
إن الرواية الأشهر والأكثر صحة عند أهل الحديث هي ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شحمة أذنيه"، وفي رواية أخرى لمسلم عن أنس أيضاً قال: "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم يضرب منكبيه". ولا تعارض بين هاتين الروايتين لدى المحققين من أهل العلم، فإن الرواية الأولى تصف طوله في حالة معينة حين يقصر، والثانية تصفه إذا طال وترك بلا قص حتى بلغ المنكبين، مما يدل على مرونة في التعامل مع الشعر بحسب الأحوال والأزمان دون تقييد بهيئة واحدة دائمة.
وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد بيننا وكسوة، وكان له شعر يضرب منكبيه". وهذا الوصف الدقيق من زوجه الصديقة يوضح تماماً كيف كان شكل شعره في بيته وفي أحوال استقراره. وقد وصف البراء بن عازب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لها شعر يضرب منكبيه"، واللمة هي الشعر الذي يلم بمنكبيه أو يقرب منهما.
وتشير هذه النصوص المتضافرة إلى أن طول الشعر كان أمراً مألوفاً في تلك البيئة، ولم يكن غريباً ولا مستنكراً، بل كان العرب في ذلك العصر يكرمون شعورهم ويتركونها تطول إذا لم يشغلهم عنها شغل، أو يقصرونها عند الحاجة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن إلى شعره، فيدهنه تارة ويترجل أخرى، وكان يهتم بنظافته وترتيبه ليليق بمقامه الشريف وهديه العام القائم على النظافة والجمال والتناسق.
ومن المهم إدراك أن إطلاق الشعر في تلك المرحلة التاريخية لم يكن شعاراً دينياً تعبدياً بالدرجة الأولى، بل كان جزءاً من ثقافة المجتمع العربي آنذاك، مع العناية التامة به وعدم تركه مهملاً. فقد وردت التوجيهات النبوية الكريمة لمن كان له شعر أن يكرمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان له شعر فليكرمه"، وفي روايات أخرى النهي عن تركه شعثاً بلا ترجيل ولا دهن، مما يؤكد أن الإسلام جاء ليهذب العادات ويضفي عليها طابع النظافة والأناقة والاعتدال.
الخاتمة: الهدي النبوي الشريف في العناية بالشعر
وفي الختام، يتضح لنا جلياً أن الإجابة عن تساؤل "هل كان رسول الله شعره طويل؟" تحمل تفصيلاً دقيقاً نقله الصحابة الكرام بكل أمانة؛ فلم يكن شعره عليه الصلاة والسلام طويلاً مجاوزاً للحدود بشكل مزعج، ولا قصيراً مبالغاً فيه، بل كان طولاً وسطاً ومستحباً يبلغ تارة شحمة أذنيه (ما يُعرف بالوفرة)، وتارة يمتد ليصل إلى منكبيه (الجمّة) حين يتركه يطول لعدم تيسر تقصيره في زحمة الأعباء والأسفار.
وقد جمع العلماء بين الروايات المختلفة بسلاسة، مؤكدين أن اختلاف طول شعره الشريف كان بحسب الأوقات والأحوال؛ فإذا غفل عن تقصيره طال، وإذا قصره انحسر إلى أنصاف أذنيه. كما ثبت في السنة المطهرة أنه كان يرجّله، ويدهنه، ويهتم بنظافته وطيبه، وربما ضفره أربع غدائر (ضفائر) في بعض المناسبات مثل فتح مكة.
فوائد وتوجيهات مستفادة:
يُستحب للمسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أصله العام؛ إما بإعفاء الشعر وإظهاره بمظهر حسن ونظيف إن كان ذلك من عادة بيئته، أو حلقه بالكامل.
تحريم "القزع" وهو حلق بعض الشعر وترك بعضه الآخر، لما ورد فيه من النهي الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
العناية بالشعر ونظافته وترجيله تعبير عن النظافة الشخصية والجمال الذي يحبه الله تعالى، شريطة أن يخلو من الكبر أو مخالفة أعراف المجتمع المذمومة.
بهذا يتبين أن إطالة الشعر في أصلها مباحة وعادة جبلية وليست شعيرة تعبدية محضة، فمن فعلها اقتداءً بالهدي المعتاد ضمن ضوابط المروءة والنظافة فله أسوة حسنة، ومن تركها فحسن أيضاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.