المحتويات
تعتبر قضية نسبة الشيعة في تونس من المواضيع المحاطة بكثير من التكتم والجدل السوسيولوجي، إلا أن التقديرات الميدانية والتقارير الدولية تشير إلى أن عددهم يتراوح بين 5000 إلى 30,000 نسمة على أقصى تقدير، مما يجعلهم يمثلون أقل من 0.1% من إجمالي السكان. ورغم ضآلة هذا الرقم عددياً، إلا أن ثقلهم الرمزي والتاريخي يظل حاضراً بقوة، خاصة وأن تونس كانت يوماً مهداً للدولة الفاطمية، مما يجعل الحديث عن "المد الشيعي" يثير هواجس الهوية لدى النخبة والشارع التونسي على حد سواء.
الجذور والامتداد: هل استيقظت البذرة الفاطمية من سباتها؟
لا يمكن فك شفرة الوجود الشيعي الحالي في تونس دون النبش في ركام التاريخ، حيث تربعت المهدية يوماً كعاصمة للخلافة الفاطمية قبل رحيلها إلى القاهرة. هذا الإرث لم يندثر تماماً، بل استحال إلى مخزون ثقافي يتجلى في "التشيع الشعبي" المتمثل في تقديس آل البيت، والاحتفال بعاشوراء بطقوس فريدة، وزيارة المقامات. غير أن التشيع "العقدي" المعاصر هو ظاهرة مغايرة تماماً، بدأت تتشكل ملامحها في السبعينيات والثمانينيات تحت تأثير الثورة الإيرانية، حيث انتقل الاهتمام من مجرد تعاطف سياسي مع قضايا المستضعفين إلى تبني مذهب الإمامية الاثني عشرية. تكمن المفارقة في أن التونسيين الذين تشيعوا في تلك الحقبة لم يأتوا من فراغ مذهبي، بل كان أغلبهم كوادر طلابية ومثقفين يبحثون عن بدائل ثورية للمد الوهابي أو الركود التقليدي. إن هذا التشكل لم يكن نتاج تبشير خارجي فج بقدر ما كان استجابة لتحولات جيوسياسية عميقة، جعلت من الهوية المذهبية أداة للمقاومة الفكرية في وجه التغريب، مما خلق جيلاً من الشيعة "النخبة" الذين يرفضون الانزواء، ويسعون لانتزاع اعتراف قانوني ومجتمعي بكيانهم في دولة تتبنى المذهب المالكي كمرجعية رسمية ووحيدة.
تشريح المشهد: مراكز الثقل والانتشار الجغرافي للوسط الشيعي
يتوزع الحضور الشيعي في تونس بشكل غير متكافئ، حيث تبرز قابس كمعقل تاريخي ورمزي لهذا التيار، وبالتحديد في منطقة "مارث"، التي شهدت ولادة أولى النويات التنظيمية. لكن الأمر لا يتوقف عند الجنوب، فالعاصمة تونس وتحديداً الأحياء الراقية والجامعية تضم حلقات فكرية مغلقة تناقش أدبيات الصدر والطباطبائي بعيداً عن صخب الشارع. إن تحليل هذا الانتشار يكشف عن "تكتيك التخفي" أو التقية الاجتماعية التي يمارسها هؤلاء خوفاً من الوصم المذهبي أو التحرش الأمني الذي كان سمة عهد بن علي. بعد 2011، خرجت بعض الرؤوس من تحت الرماد، وتأسست جمعيات مثل "أهل البيت" و"المودة"، مما سمح بقياس النبض الحقيقي لهذا المكون. ورغم المحاولات المستمرة لربطهم بالأجندات الخارجية، إلا أن الواقع يثبت أن "الاستبصار" التونسي –كما يحلو لهم تسميته– هو مسار فردي غالباً، ينبع من قراءات نقدية للتاريخ الإسلامي. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر أمامهم هو كيفية الموازنة بين ولائهم المذهبي العابر للحدود وبين "التونسة" التي تفرضها طبيعة المجتمع المنفتح. إنهم يواجهون جداراً من الرفض المؤسساتي الذي يرى في وجودهم تهديداً لـ "وحدة المذهب" التي استقرت عليها البلاد منذ قرون، وهو ما يجعل نشاطهم يتسم بالسرية والحذر الشديدين.
التداعيات العملية: المواطنة المأزومة وصراع الاعتراف القانوني
على الصعيد العملي، يعيش الشيعي التونسي حالة من الانفصام بين مواطنته الكاملة وبين ممارساته التعبدية التي تظل حبيسة الجدران الأربعة. لم تنجح الدولة التونسية حتى الآن في استيعاب هذا التنوع المذهبي ضمن إطار دستوري يحمي الأقليات الدينية بشكل صريح، رغم أن دستور 2014 و2022 كفلا حرية الضمير. تبرز الإشكالية الكبرى في رفض منح تراخيص لجمعيات ثقافية ذات صبغة شيعية واضحة، مما يدفع هؤلاء إلى النشاط تحت غطاء "التصوف" أو "البحث التاريخي". هذا التضييق يولد شعوراً بالمظلومية يعيد إنتاج السردية الشيعية الكلاسيكية، ويقوي الروابط الداخلية للمجتمع الصغير بدلاً من إدماجه. من جهة أخرى، يثير هذا الوجود توترات مع التيارات السلفية التي ترى في التشيع "غزواً فكرياً" يجب استئصاله، مما يحول الساحة التونسية إلى مختبر للصراعات الإقليمية بالوكالة في بعض الأحيان. إن غياب الإحصاء الرسمي الدقيق ليس مجرد تقصير إداري، بل هو قرار سياسي بامتياز يهدف إلى الحفاظ على صورة "تونس المنسجمة" مذهبياً، وتجنب فتح صندوق بانورا للمطالب الطائفية التي قد تعصف بالاستقرار الاجتماعي الهش في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعصف بالبلاد.
تحديات الرصد ونصائح الخبراء في تقدير الأرقام
عند البحث في مسألة الأقليات الدينية في تونس، وتحديداً الوجود الشيعي، يواجه الباحثون عقبات منهجية تجعل من تقديم رقم قطعي أمراً مستحيلاً. تكمن المشكلة الأساسية في غياب الإحصاءات الرسمية القائمة على الانتماء المذهبي، حيث تكتفي الدولة التونسية بتصنيف الغالبية الساحقة كمسلمين دون
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.