المحتويات
الإجابة المباشرة التي يبحث عنها الجميع ليست بكلمة واحدة، بل هي رهينة المقاصد والبيئة؛ فالأصل في زينة المرأة الإباحة ما لم تصطدم بنص صريح أو ضرر محقق. يرى قطاع واسع من الفقهاء المعاصرين أن بيرسينج الحاجب يندرج تحت باب الزينة المستحدثة، وهو جائز للمرأة بشرط ألا يكون فيه تشبه بالكافرات أو الفاسقات، وألا يؤدي إلى ضرر طبي، مع وجوب ستره عن الرجال الأجانب كونه زينة ملفتة، بينما يمنعه آخرون سداً للذريعة وتجنباً لتغيير خلق الله.
الجذور الفقهية وفلسفة الزينة في الفكر الإسلامي
حين ننبش في بطون الكتب الفقهية القديمة، نجد أن تزيين الوجه كان دوماً مساحة شاسعة من الأخذ والرد، فالقاعدة الأصولية تقول إن "الأصل في الأشياء الإباحة". الإسلام لم يأتِ ليخنق الجمال، بل لِيُؤطره في سياق يحفظ كرامة الجسد. قضية ثقب الحاجب لم تكن مطروحة بمسماها المعاصر "البيرسينج" لدى الأئمة الأربعة، لكنهم ناقشوا ثقب الأذن والأنف. قياس الحاجب على الأذن يراه البعض جائزاً بجامع "التجمل"، بينما يراه المعارضون خروجاً عن المألوف العربي القديم الذي استند إليه الفقهاء في إباحة ثقب الأذن تحديداً.
إن إشكالية تغيير خلق الله هي المحور الذي يدور حوله الجدل الصاخب. هل الثقب يعتبر تغييراً دائماً كـ "الوشم" الملعون صاحبه؟ الغالبية العظمى من المحققين يرون أن الثقب ليس غيراً دائماً لأن الفتحة تلتئم وتختفي بترك الزينة، مما يخرجه من دائرة المحرمات القطعية. لكن، يبقى التساؤل الفلسفي قائماً: هل الحاجب عضو يحتمل الثقب جمالياً دون تشويه؟ هنا تتدخل "العرفية"، فما يعتبره مجتمع ما زينة، قد يراه مجتمع آخر تمثيلاً بالجسد، والشريعة تولي العرف المنضبط وزناً كبيراً في استنباط الأحكام التكليفية المتعلقة بالهيئة والمظهر.
تحليل عميق: معايير التحريم والتحليل في ميزان المقاصد
النظر إلى "البيرسينج" في الحاجب يتطلب تفكيكاً لثلاثة مفاهيم محورية: التشبه، والضرر، والفتنة. أولاً، قضية التشبه بغير المسلمين؛ قديماً كان هذا الثقب رمزاً لثقافات فرعية متمردة أو منحرفة، مما جعل الحكم بالتحريم حينها منطقياً لتجنب "المشابهة الظاهرة". أما اليوم، فقد أصبح البيرسينج صرعة عالمية عابرة للثقافات، مما أضعف حجة التشبه لدى بعض المفتين، فالعبرة ليست بمصدر الشيء بل بمدى اختصاص أهل الفسق به في الزمن الراهن.
ثانياً، قاعدة لا ضرر ولا ضرار. الحاجب منطقة غنية بالأعصاب والأوعية الدموية الدقيقة القريبة من العين. إذا ثبت طبياً أن ثقب هذه المنطقة يسبب التهابات مزمنة أو يؤثر على حركة الجفن أو العصب الوجهي، ينقلب الحكم من الإباحة إلى التحريم القاطع فوراً. الإسلام يقدس السلامة الجسدية، وأي زينة تهدد العضو تسقط مشروعيتها. ثالثاً، مسألة "الزينة الظاهرة"؛ فإذا كان وضع القرط في الحاجب يلفت أنظار الرجال ويسبب فتنة في مكان عام، فإن المنع هنا لا يكون لذات الثقب، بل لعدم الالتزام بضوابط الحجاب الشرعي التي تفرض ستر الزينة غير العادية.
التداعيات العملية والواقعية لهذا النمط من التزيين
على أرض الواقع، تواجه الفتاة المسلمة التي تختار بيرسينج الحاجب تحديات تتجاوز مجرد الحكم الفقهي المجرد إلى القبول الاجتماعي والوضوح التعبدي. من الناحية التعبدية، يبرز سؤال الطهارة: هل يمنع القرط وصول الماء في الوضوء والغسل؟ الفقهاء يتسامحون في الثقوب الصغيرة التي يشغلها القرط، شريطة محاولة إيصال الماء أو تحريك القرط، تماماً كما هو الحال في ثقب الأذن. عدم وصول الماء لداخل الثقب الدقيق جداً لا يبطل الطهارة عند جمهور المعاصرين تيسيراً على الناس.
أما من الناحية المسلكية، فإن التسرع في اتخاذ قرار الثقب قد يؤدي إلى ندم جمالي؛ فندبات الحاجب بعد إزالة البيرسينج قد تترك أثراً "تخريبياً" يصعب علاجه، وهو ما يدخل في باب إيذاء النفس بلا طائل. لذا، ينصح الخبراء الشرعيون والجماليون على حد سواء بالتريث. إن اختيار مكان الثقب ونوع المعدن المستخدم (كالتيتانيوم أو الذهب) يقلل من احتمالات الحساسية والرفض المناعي. في النهاية، يبقى الضمير الديني للفرد هو الرقيب، حيث يُستفتى القلب في أمور الزينة التي لم يرد فيها نص قطعي، مع مراعاة أن "الخروج من الخلاف مستحب" دوماً في شؤون العبادات والمظهر العام.
تحديات شائعة ونصائح الخبراء عند اتخاذ القرار
عند التفكير في إجراء "بيرسينج" الحاجب من منظور شرعي وجمالي، يقع الكثيرون في أخطاء شائعة قد تؤثر على الحكم الفقهي أو السلامة الجسدية. من أبرز هذه الأخطاء هو التقليد الأعمى دون مراعاة "عرف المجتمع"؛ ففي كثير من المجتمعات العربية، لا يزال يُنظر لثقب الحاجب كعلامة على التمرد أو التشبه بغير المسلمين، وهو ما يجعله يدخل في دائرة الكراهة أو التحريم عند بعض العلماء بناءً على قاعدة التشبه.
نصيحة الخبراء هنا هي ضرورة التأكد أولاً من أن هذه الزينة لا تسبب ضرراً دائماً للجلد أو الأعصاب المحيطة بالعين، لأن القاعدة الفقهية تنص على أن "لا ضرر ولا ضرر". كما يجب التأكد من سهولة إزالة القطعة عند الوضوء أو الغسل إذا كانت تمنع وصول الماء للبشرة، لضمان صحة العبادات. يُفضل دائماً اختيار معادن طبية مثل التيتانيوم لتجنب الالتهابات التي قد تتحول إلى تشوهات دائمة تُعد من قبيل "تغيير خلق الله" المنهي عنه.
الأسئلة الشائعة حول بيرسينج الحاجب
1. هل يمنع بيرسينج الحاجب صحة الوضوء؟
نعم، إذا كانت قطعة الحلي ضيقة جداً وتمنع وصول الماء إلى الجلد الموجود تحتها، فإن الوضوء لا يصح إلا بتحريكها أو نزعها. قاعدة الطهارة تقتضي وصول الماء إلى العضو المغسول بالكامل، وبما أن الوجه ركن في الوضوء، يجب الحذر من أي حائل يمنع تعميم الماء.
2. هل يعتبر ثقب الحاجب من "تغيير خلق الله"؟
يرى أغلب الفقهاء أن الثقوب التي تُجرى لغرض الزينة (مثل ثقب الأذن) لا تدخل في تغيير الخلق المحرم، بشرط أن تكون زينة مؤقتة يمكن إزالتها. لكن، إذا أدى الثقب إلى ندبات مشوهة أو ثقوب لا تلتئم وتفسد شكل الوجه الطبيعي، فقد يميل الحكم إلى المنع.
3. هل يجوز للرجل وضع بيرسينج في الحاجب؟
الاتفاق الفقهي يكاد يكون مطلقاً بالمنع في حالة الرجال؛ لأن ثقب الحاجب يُصنف كزينة نسائية في العرف العام. وضع الرجل للبيرسينج يدخل تحت باب التشبه بالنساء، وهو أمر منهي عنه شرعاً، بخلاف المرأة التي يُباح لها التزين بما جرى به العرف.
رأي المحرر النهائي
في الختام، يظل "بيرسينج الحاجب" مسألة شائكة تعتمد بشكل كبير على النية والسياق الثقافي. إذا كان الهدف هو التجمل المنزلي للمرأة بما لا يخالف العرف ولا يسبب ضرراً طبياً، فالأصل في الزينة الإباحة. ومع ذلك، وبسبب الارتباط الوثيق لهذا النوع من البيرسينج بصرعات غربية معينة، فإن الاحتياط والابتعاد عنه هو الأسلم دينياً، خاصة مع وجود بدائل زينة أخرى لا تثير الجدل الفقهي أو تسبب مخاطر صحية في منطقة حساسة كالوجه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.