المحتويات
الإجابة المباشرة والقطعية التي تفرضها حقائق الفقه الجعفري المعاصر والقديم هي: لا، ليس أهل السنة كفاراً عند الشيعة. هذا اللبس الذي يقتات عليه مروجو الفتن يخلط وبشكل متعمد بين مفهوم "الإسلام" القانوني الذي يحقن الدماء، وبين "الإيمان" كمرتبة روحية خاصة. فالسني عند الشيعة مسلم كامل الحقوق، تحرم دماؤه وأمواله، ويجوز التزاوج معه وتوريثه، بل إن كبار مراجع النجف وقم يشددون على وصفهم بـ "إخواننا"، مما يجعل دعاوى التكفير الشامل مجرد ضجيج سياسي لا رصيد له في أمهات المتون الفقهية.
الجذور التأسيسية والمفاهيمية: قراءة في فقه "الآخر" المذهبي
لعل المعضلة الكبرى التي تواجه القارئ غير المتخصص تكمن في عدم التمييز بين الظاهر الإسلامي وبين المآلات الأخروية. في الفكر الشيعي، ثمة فصل حاد وصارم بين من ينطق بالشهادتين وبين من يعتقد بالولاية. إن قبول "الإسلام" كإطار جامع هو المبدأ الذي أسس له الأئمة الأوائل من آل البيت، حيث اعتبروا أن من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مسلم. هذا التأصيل ليس مجرد مناورة "تقية" كما يزعم البعض، بل هو هيكل تشريعي صلب بنيت عليه أحكام الطهارة، والذبائح، والمناكحات.
التدقيق في عبارات الفقهاء الأقدمين مثل الشيخ الطوسي أو المحقق الحلي، يكشف عن استخدام مصطلح "المخالف" ليس كمرادف للكافر الخارج عن الملة، بل كإشارة لمن خالف في مسألة الإمامة. وهنا يبرز مفهوم "مستضعفي الخلق"، وهم الغالبية العظمى من المسلمين الذين لم تقم عليهم الحجة الواضحة أو الذين نشأوا على مذهب آبائهم دون عناد وجحود. هؤلاء، في المنظور الشيعي، مسلمون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وفكرة كفرهم هي شذوذ فكري يرفضه الإجماع الفقهي العام الذي يرى في وحدة الأمة ضرورة وجودية تتجاوز الخلافات العقدية الفرعية.
التحليل المحوري: تفكيك لغم "الإيمان" مقابل "الإسلام"
حين نغوص في أعماق البحث الكلامي، نجد أن الشيعة يفرقون بين مستويين من الانتماء. المستوى الأول هو الإسلام العام، وهو المظلة التي تجمع كل من أقر بتوحيد الله ونبوة محمد (ص). في هذا المستوى، لا يوجد شيعي معتبر يكفر سنياً. أما المستوى الثاني فهو الإيمان الخاص، وهو مرتبة يربطها الشيعة بالاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب. عدم تحقق هذه المرتبة عند السني لا يعني خروجه من دائرة الإسلام، بل يعني -حسب وجهة نظرهم- نقصاً في كمال الإيمان لا يخرجه عن الملة في الدنيا.
إن إقحام مصطلحات مثل "الناصب" في هذا السياق هو مغالطة كبرى؛ فالنواصب في العرف الشيعي هم فئة محدودة جداً تعلن العداء والسب لآل البيت، وهم وحدهم من تنطبق عليهم أحكام النجاسة أو الكفر عند المتشددين. أما عموم أهل السنة والجماعة، الذين يجلون آل البيت ويحبونهم، فهم خارج هذا التوصيف تماماً. البناء الفكري الشيعي يرفض مساواة "عدم الاعتقاد بالولاية" بـ "إنكار الألوهية"، ومن هنا تبرز عبقرية التمييز التي تحافظ على وشائج القربى بين أبناء الدين الواحد رغم تباين الرؤى حول من يخلف النبي في قيادة الأمة سياسياً وروحياً.
التبعات العملية والمواقف المرجعية في الواقع المعاصر
لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن الفتاوى المعاصرة التي شكلت سداً منيعاً أمام دعاة التجزئة. مواقف المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، حين أطلق مقولته الشهيرة "لا تقولوا إخواننا السنة، بل قولوا أنفسنا"، لم تكن مجرد بلاغة لغوية، بل كانت حكماً شرعياً يترتب عليه وجوب حماية أرواحهم ومساجدهم. هذه الرؤية العملية تترجم فلسفة "التعايش بالضرورة" إلى "التكامل بالدين"، حيث ترفض المرجعيات التقليدية أي مساس بكرامة أهل السنة أو معتقداتهم، معتبرة أن التكفير هو سلاح الضعفاء الذين يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة.
إن التطبيقات الفقهية في أبواب القضاء والمعاملات في الحوزات العلمية تعامل السني كمسلم كامل الأهلية، وصيحات التكفير التي تصدر من بعض القنوات الفضائية المتطرفة لا تمثل المؤسسة الرسمية، بل هي نتوءات غريبة على الجسد الشيعي العام. إن التاريخ يشهد بوجود مراسلات ومواقف وحدوية، مثل فتوى الشيخ شلتوت في مصر والردود الإيجابية من مراجع النجف، مما يؤكد أن الأصل هو الوحدة والاعتراف المتبادل، وأن دعوى كفر أهل السنة عند الشيعة هي فرية لا تصمد أمام التمحيص العلمي الدقيق أو الاستقراء الواقعي لسلوك الملايين من أتباع هذا المذهب عبر العصور.
المنزلقات الشائعة ونصائح الخبراء
عند الخوض في مسألة تكفير أهل السنة عند الشيعة، يقع الكثيرون في فخ التعميم العاطفي أو الاعتماد على نصوص تاريخية "متطرفة" دون النظر إلى سياقها الفقهي المعاصر. من أبرز المنزلقات هو الخلط بين الكفر الفقهي (المرتبط بالنجاسة والذبيحة والميراث) وبين الكفر الاعتقادي (المرتبط بالآخرة). الخبراء يؤكدون أن الغالبية العظمى من مراجع الشيعة المعاصرين، مثل السيستاني والخامنئي، يجمعون على أن أهل السنة "مسلمون" لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، بل ويحرمون دماءهم وأعراضهم بوضوح قاطع.
نصائح الخبراء: أولاً، يجب التفريق بين آراء "غلاة الشيعة" وبين الموقف الرسمي للحوزات العلمية. ثانياً، ينبغي الحذر من الفيديوهات المجتزأة لبعض الخطباء التي تهدف لإثارة الفتنة الطائفية. ثالثاً، لابد من قراءة كتب "الرسائل العملية" للمراجع، فهي الميزان الحقيقي للحكم الفقهي. تذكر أن الوحدة الإسلامية ليست مجرد شعار سياسي عند كبار الفقهاء، بل هي ضرورة فقهية مبنية على أصل الإسلام الذي يثبت بنطق الشهادتين.
الأسئلة الشائعة
1. هل يرى الشيعة أن من لا يؤمن بالولاية كافر؟
في الفقه الشيعي المعاصر، يُعتبر من لا يؤمن بالولاية مسلماً ظاهرياً، أي تترتب عليه كافة الأحكام الإسلامية في الدنيا. أما مسألة الثواب والعقاب في الآخرة، فيربطها الفقهاء بمدى وصول الحجة على الشخص، فمن كان "قاصراً" (أي لم تصله الحقيقة بوضوح) فإنه لا يُحكم بكفره أو استحقاقه للعقاب.
2. ما هو حكم الصلاة خلف إمام من أهل السنة عند الشيعة؟
أفتى الكثير من مراجع الشيعة بجواز، بل واستحباب الصلاة خلف أهل السنة في إطار مداراة المسلمين وتعزيز الوحدة. وهذه الفتاوى تنفي قطعاً تهمة التكفير، إذ لا يجوز الصلاة خلف الكافر باتفاق الجميع.
3. هل هناك فرق بين موقف القدماء والمعاصرين من الشيعة في هذه المسألة؟
نعم، هناك تطور في التعبير الفقهي؛ فبينما قد تجد عبارات حادة في كتب بعض المتقدمين نتيجة الصراعات السياسية والمذهبية في عصورهم، إلا أن الاستقرار الفقهي المعاصر اتجه بقوة نحو التأكيد على الأخوة الإسلامية الكاملة والابتعاد عن لغة التكفير.
رأي المحرر النهائي
من خلال تحليلنا العميق للمشهد المذهبي، نخلص إلى أن اتهام الشيعة بتكفير أهل السنة هو ادعاء يفتقر للدقة العلمية إذا ما قيس بمواقف كبار المراجع والحوزات. إن التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة تتطلب تجاوز القراءات التصادمية والتركيز على المشتركات العقدية. أهل السنة هم إخوة للشيعة في الدين، وهذا ليس مجرد رأي توفيقي، بل هو حقيقة فقهية راسخة في عمق الأدبيات الشيعية المعتبرة التي تضع الشهادتين كفيصل وحيد للإسلام.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.