المحتويات
الإجابة المباشرة التي قد تصدم الوعي السطحي هي أن الحماية الإلهية ليست "درعًا فيزيائيًا" يتدخل لتعطيل القوانين الطبيعية في كل لحظة، بل هي تدبير كلي يمنح الوجود معناه من خلال الحرية والابتلاء. إن غياب التدخل الفوري لإنقاذ طفل لا يعني غياب الصانع، بل يشير إلى هندسة كونية معقدة تتجاوز الإدراك اللحظي للبشر. الله لا يلعب دور الحارس الشخصي الذي يمنع السكين من الجرح، بل هو موجد النظام الذي يسمح للسكين بالقطع وللإنسان بالاختيار، وللألم بأن يكون جسرًا نحو حقيقة أسمى.
الجذور الميتافيزيقية وتهافت النظرة المادية للعدل
عندما نطرح سؤال "أين الله؟" وسط الركام، نحن نفترض ضمناً أن وظيفة الألوهية هي تحقيق الرفاهية الدنيوية المطلقة، وهذا خلط معرفي شنيع. الوجود في جوهره ليس دار جزاء، بل هو مختبر للصيرورة. الأطفال، رغم براءتهم التي تفتت الأكباد، هم جزء من نسيج بيولوجي وتاريخي يخضع لسنن "العلة والمعلول". إذا توقف الله عن السماح بالألم للأطفال، فإنه بالضرورة سيعطل قانون الجاذبية إذا سقطوا، وقانون الاحتراق إذا اقتربوا من النار، مما يحول الكون إلى مسرح عرائس فاقد للمنطق والانتظام. الاستثناء الدائم يقتل القانون، والقانون هو ما يجعل العلم والحياة ممكنين.
إن الرؤية القاصرة تحصر العدل في "الآن" و"هنا"، متجاهلة بُعد الأبدية. المعاناة في المنظور الإلهي ليست غاية، بل هي عرض جانبي لضرورة وجود عالم مادي متفاعل. نحن نرى المشهد من ثقب إبرة، بينما اللوحة تتسع لمجرات من الحكمة. إن الله "يحمي" الأطفال لا بمنع الموت عنهم -فالموت ليس شراً مطلقاً في المنظور الميتافيزيقي- بل باحتواء أرواحهم في فيض من الرحمة يتجاوز عذاب الجسد الزائل. البراءة لا تضيع في العدم، بل تُسترد إلى أصلها النوراني بعيداً عن كدح المادة.
تشريح المعاناة: هل الألم عبث أم ضرورة وجودية؟
لو كان العالم يخلو من تألم الأطفال، لفسدت أخلاق البشرية وضمور حس المسؤولية والتعاطف. الألم هو المحرك الأكبر للتطور الأخلاقي والبحث العلمي. صرخة طفل مريض هي التي دفعت الأطباء لاختراع اللقاحات، وهي التي علمت القلوب القاسية معنى اللين. نحن نعيش في عالم "ممكن"، وليس في "الفردوس"؛ والفرق بينهما هو الكدح. الله لم يخلق شراً محضاً، بل خلق خيراً يتضمن إمكانية وقوع الشر لإبراز قيمة الخير. بدون الظلام، هل كنت ستدرك ماهية الضياء؟
إن تحليل "معضلة الشر" لدى الفلاسفة من أبيقور إلى لايبنتز يوصلنا دائماً إلى حائط مسدود إذا أغفلنا حرية الإرادة البشرية. جزء ضخم من معاناة الأطفال ناتج عن جشع الإنسان، وحروبه، وإهماله للبيئة. أن نلوم الله على رصاصة أطلقها جندي، أو مجاعة تسبب بها نظام سياسي، هو هروب مخجل من المسؤولية الإنسانية. الله يحمي الطفل بمنحنا العقل والضمير لنكون نحن يده المبسوطة بالخير، فإذا قصرنا، كان اللوم علينا لا على المشيئة العليا التي تركت لنا زمام المبادرة.
الارتدادات العملية وإعادة صياغة مفهوم الرعاية
الرعاية الإلهية تتجلى في "اللطف" الخفي وسط المحنة، لا في إلغاء المحنة ذاتها. نجد قصصاً لا تحصى عن أطفال نجوا من كوارث بمعجزات صغيرة، لكننا نركز فقط على من لم ينجوا. هذا الانحياز المعرفي يمنعنا من رؤية التوازن الدقيق. الإيمان ليس مخدراً للآلام، بل هو بوصلة تعطي للألم وجهة. عندما يسأل سائل: "لماذا لم يمنع الله ذلك؟"، عليه أن يسأل أيضاً: "لماذا وهبنا القدرة على الشعور بالظلم؟". هذا الشعور الفطري بالعدالة هو أقوى دليل على وجود مصدر مطلق للعدل وضع فينا هذه البذرة.
عملياً، تقتضي الحكمة أن نفهم أن حماية الله للأطفال تتم عبر "السنن"، ومنها سعينا نحن لحمايتهم. الدين والعقل يتفقان على أن الله لا ينزل من السماء ليمنع يد الظالم في كل مرة، بل أعد لظالم حساباً عسيراً وللمظلوم رفعة لا تدركها الأبصار. إن الطفل الذي يعاني لا يفقد صلته بالخالق، بل ربما يكون في تلك اللحظات أقرب للحقيقة المطلقة من فيلسوف ينظر من برج عاجي. الألم ليس غياباً للرب، بل هو تجلٍ لصفة "القهار" التي تجعلنا ندرك فقرنا الوجودي وحاجتنا لمن بيده ملكوت كل شيء.
أخطاء شائعة ونصائح لتجاوز الأزمة الفكرية
يقع الكثيرون في فخ المقارنة المحدودة عند معالجة هذا الملف، حيث يتم حصر مفهوم "الحماية" في البعد المادي الآني فقط، متجاهلين المنظور الشامل الذي يربط الدنيا بالآخرة. من الأخطاء الشائعة أيضًا إسقاط المشاعر الإنسانية المحدودة على الإرادة الإلهية، أو افتراض أن الألم هو دليل على غياب الرعاية، بينما قد يكون في طياته حكمة تربوية أو تطهيرية تتجاوز استيعابنا اللحظي.
لتجاوز هذه التحديات، ينصح الخبراء بضرورة الفصل بين الفعل الإلهي والتقصير البشري؛ فالله منح الإنسان الإرادة، وكثير من مآسي الأطفال هي نتاج مباشر لقرارات بشرية خاطئة كالحروب والإهمال. كما يجب تعزيز اليقين بالتعويض الإلهي، حيث تؤكد النصوص الدينية أن ألم الطفولة ليس نهاية المطاف، بل هو متبوع بعدالة مطلقة وجزاء لا ينقطع في الحياة البادية. إن التوازن بين التسليم بوجود حكمة غائبة وبين السعي البشري لرفع الظلم هو السبيل الأمثل للحفاظ على الصحة النفسية والإيمانية.
الأسئلة الشائعة حول حماية الأطفال
لماذا لا يتدخل الله بمعجزة لإنقاذ طفل بريء؟
لو تدخلت المعجزات لإيقاف كل شر مادي، لفقدت الحياة صفتها كدار اختبار وابتلاء، ولتحول العالم إلى نظام جبري لا قيمة فيه للإرادة الحرة. القوانين الكونية (السنن) تعمل بانتظام ليتحمل الإنسان مسؤولية إعمار الأرض أو إفسادها، وتدخل المعجزات بشكل دائم سيلغي جدوى السعي البشري والمسؤولية الأخلاقية تجاه الضعفاء.
هل يعني تألم الطفل غضبًا إلهيًا عليه أو على أهله؟
إطلاقًا، فالألم في المنظور الإيماني ليس مؤشرًا على العقوبة بالضرورة، بل قد يكون رفعًا للدرجات أو بابًا لرحمة أوسع لا ندركها الآن. الأطفال تحديدًا غير مكلفين، لذا فإن معاناتهم لا تندرج تحت باب العقاب، بل تحت باب الابتلاء العام الذي يمحص الصابرين ويستنهض ضمائر الإنسانية للتحرك والإنقاذ.
كيف يمكننا شرح هذا التساؤل للأطفال أنفسهم؟
يجب التركيز على مفهوم الله المحب والرحيم، وشرح أن العالم فيه "ليل ونهار" و "صحة ومرض" ليكمل بعضنا بعضًا. نركز على أن الله وعد المتألمين بمكانة خاصة وجميلة جدًا في الجنة، مع تشجيع الطفل على أن يكون هو أداة الله في الأرض لمساعدة الآخرين، مما يزرع فيه روح المبادرة بدلًا من اليأس.
كلمة المحرر النهائية
إن سؤال "لماذا لا يحمي الله الأطفال؟" ليس مجرد تساؤل فلسفي، بل هو صرخة وجدانية تبحث عن الطمأنينة. من وجهة نظري كخبير، أرى أن الصمت الإلهي ليس غيابًا، بل هو فسحة للمسؤولية البشرية. الله لا يحمي الأطفال عبر "الخوارق" فحسب، بل يحميهم عبر القلوب التي وضع فيها الرحمة، وعبر العقول التي ألهمها الطب والعدل. الحقيقة القاطعة هي أن العدالة المطلقة لا تكتمل فصولها في مشهد الدنيا القصير، بل في مشهد الآخرة حيث يُجبر كل كسر ويُرد كل حق، مما يجعل المعاناة الدنيوية مجرد لحظة عابرة في خلود النعيم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.