المحتويات
- 1. الجذور والمفاهيم: لماذا يثير الزار حفيظة الفقهاء؟
- 2. التشريح الفقهي: الملاكات الشرعية للتحريم عند السيستاني
- 3. الآثار المترتبة والواقع العملي في التعامل مع هذه الظواهر
- 4. أبرز الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند التعامل مع الزار
- 5. الأسئلة الشائعة حول حكم الزار عند السيستاني
- 6. رأي المحرر والكلمة الفصل
الإجابة المباشرة والقطعية وفق المباني الفقهية للمرجع الأعلى السيد علي السيستاني هي أن طقوس الزار، بما تشتمل عليه من ممارسات خرافية أو استعانة بالجن أو إيذاء للنفس، هي ممارسات غير جائزة شرعاً ومحرمة إذا استلزمت ارتكاب محرم أو الإضرار بالبدن. يرى سماحته أن هذه الأفعال لا أصل لها في الدين، بل هي من الموروثات الشعبية الدخيلة التي تصطدم مع جوهر العقيدة الإسلامية، خاصة حين تتحول إلى وسيلة لابتزاز الناس أو إيهامهم بقدرات غيبية لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى.
الجذور والمفاهيم: لماذا يثير الزار حفيظة الفقهاء؟
حين نغوص في دهاليز الموروث الشعبي، نجد أن الزار ليس مجرد إيقاعات موسيقية صاخبة، بل هو منظومة من الاعتقادات التي تمنح "الجن" سلطة مطلقة على تصرفات البشر. هنا يبرز الإشكال العقدي قبل الفقهي. السيد السيستاني، بصفته حارساً للحدود الشرعية، ينظر إلى "الزار" من زاوية الأثر المترتب عليه. هل هو مجرد لهو؟ أم هو ادعاء للتواصل مع عوالم غيبية بطرق غير مشروعة؟ الرؤية السائدة في النجف الأشرف تشدد على أن تسليط الجان على الإنسان أو ادعاء إخراجهم عبر هذه الطقوس يندرج غالباً تحت باب الشعوذة والدجل. إن الاستغراق في هذه الممارسات يفتح باباً واسعاً للضلال، حيث يُعطى للمشعوذ (أو ما يعرف بالكودية أو الشيخ) هالة من القداسة الكاذبة، مما يؤدي إلى تضليل العوام واستهلاك أموالهم بالباطل. إن الفقه الجعفري يرتكز على البرهان، والزار يفتقر إلى أدنى مستويات الدليل الشرعي أو العقلي، بل هو ركام من الأساطير التي تعتاش على الجهل والاضطراب النفسي. من هنا، فإن الموقف ليس مجرد منع عابر، بل هو تحصين للمجتمع من الانزلاق نحو التفكير الخرافي الذي يعطل الإرادة البشرية ويجعلها رهينة لأوهام "الريح" أو "الأسياد".
التشريح الفقهي: الملاكات الشرعية للتحريم عند السيستاني
لتحليل فتوى السيد السيستاني بدقة، يجب تفكيك طقوس الزار إلى عناصرها الأولية. أولاً، الموسيقى والغناء: إذا كانت الألحان المستخدمة تناسب مجالس اللهو واللعب، فهي محرمة بحد ذاتها. ثانياً، إيذاء النفس: تتضمن بعض حفلات الزار ضرباً مبرحاً أو جرحاً للجسد، وهو أمر يحرمه السيستاني إذا أدى إلى ضرر معتد به. ثالثاً، وهو الأهم، نشر الخرافة: تقوية المعتقدات الفاسدة التي لا تستند إلى وحي أو عقل قطعي تُعد من كبائر الذنوب أحياناً لأنها تشوه صورة الدين. السيد السيستاني يؤكد دائماً على ضرورة الرجوع إلى أهل الاختصاص في الطب النفسي لمعالجة حالات التشنج أو الصرع، بدلاً من اللجوء إلى حلقات الزار التي تزيد الحالة تعقيداً. إن ممارسة الزار تتضمن في طياتها نوعاً من "السحر" أو "الكهانة" في بعض الأحيان، وهذه المحاور تمثل خطوطاً حمراء في الرسالة العملية. القيمة الجوهرية في فقه السيستاني هي "العقلانية"؛ لذا فإن أي فعل يسلب الإنسان وقاره أو يجعله يتصرف كالمجنون تحت ذريعة "تلبس الجن" هو فعل ينبذه الشرع ويحذر من ممارسته أو حتى الحضور في مجالسه والمساهمة في تكثير سواده.
الآثار المترتبة والواقع العملي في التعامل مع هذه الظواهر
تتجاوز المسألة مجرد "حلال وحرام" لتصل إلى البعد الاجتماعي والتربوي. إن الانخراط في حفلات الزار يولد حالة من الاتكالية النفسية، حيث يهرب الفرد من مواجهة مشكلاته الواقعية إلى إلقاء اللوم على قوى خفية. في استفتاءات مكتب سماحته، يظهر الحرص على سد الذرائع؛ فالمشاركة في هذه المحافل، حتى لو كانت من باب الفضول، قد تؤدي إلى ترويج الباطل. المال المدفوع في هذه الطقوس يُعتبر مالاً سحتاً في كثير من الحالات، لأن المعطي يدفعه بناءً على وهم أو خوف، والآخذ يستولي عليه بلا وجه حق شرعي. إن النصيحة الفقهية هنا واضحة: يجب تطهير البيوت من هذه الأجواء المشحونة بالاضطراب، واستبدالها بالأذكار المأثورة والقرآن الكريم التي تمنح الطمأنينة الحقيقية لا الزائفة. السيستاني يدعو إلى "الوعي" كخط دفاع أول؛ فالمؤمن لا يُلدغ من جحر الخرافة مرتين. الزار ليس علاجاً، بل هو مرض يصيب البصيرة قبل البدن، والوقوف في وجهه مسؤولية شرعية تقع على عاتق المثقفين ورجال الدين على حد سواء لانتشال البسطاء من براثن الدجالين الذين يقتاتون على آلام الناس تحت ستار الدين أو الروحانيات المزعومة.
أبرز الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند التعامل مع الزار
يقع الكثير من الناس في خلط كبير بين الممارسات الشعبية وبين الأحكام الشرعية الصارمة، ومن أبرز هذه الأخطاء هو الاعتقاد بأن مجرد كون الطقس موروثاً اجتماعياً يجعله مباحاً. في مدرسة السيد السيستاني، العبرة دائماً بالفعل نفسه؛ فإذا اشتمل الزار على استغاثة بغير الله، أو تقديم ذبائح لغير وجه الله، أو ممارسات سحرية وشعوذة، فإنه يدخل في دائرة الحرمة القطعية.
لذا، ينصح الخبراء في الشؤون الفقهية بضرورة الحذر من "التلبس" بمظاهر الشرك الخفي تحت مسمى العلاج الروحي. النصيحة الجوهرية هنا هي التمييز بين العلاج بالقرآن والأدعية المأثورة وبين طقوس الزار التي تعتمد على الإيقاعات الصاخبة وادعاء مخاطبة "الأسياد". كما يجب الحذر من الوقوع فريسة للمبتزين الذين يستغلون الأزمات النفسية لإيهام المرضى بأن خلاصهم مرهون بإقامة هذه الحلقات. إن الالتزام بالضوابط الشرعية يتطلب الرجوع دائماً إلى المتشرعة وأهل العلم قبل الانخراط في أي ممارسة يشوبها الغموض، مع التأكيد على أن الشفاء بيد الله وحده وليس عبر وسائط تتنافى مع كرامة الإنسان وعقيدته.
الأسئلة الشائعة حول حكم الزار عند السيستاني
1. هل يجوز حضور مجالس الزار لمجرد المشاهدة فقط؟
وفقاً للمباني الفقهية، إذا كان مجلس الزار يتضمن محرمات مثل الغناء اللهوي، الاختلاط المحرم، أو طقوساً شركية، فلا يجوز الحضور حتى لو لم يشارك الشخص في الأفعال. الحضور في أمكنة المعصية يعد إقراراً ضمنياً بها، وهو أمر يتنافى مع مبدأ النهي عن المنكر.
2. ما هو موقف السيد السيستاني من ادعاء العلاج بتسخير الجن؟
يرى سماحة السيد السيستاني أن تسخير الجن ممنوع شرعاً إذا كان يترتب عليه ضرر لمسلم، بل الأحوط لزوماً تركه مطلقاً. وبما أن الزار يعتمد أساساً على فكرة "رضا الزار" أو "الأسياد"، فإن الدخول في هذه الممارسات يعتبر مجازفة شرعية لا يسوغها الادعاء بالبحث عن العلاج.
3. هل تعد الأموال المدفوعة لـ "الكودية" أو القائمين على الزار حلالاً؟
بما أن أصل الفعل (الزار) مشوب بالمحرمات والشبهات العقدية، فإن كسب المال من وراء هذه الطقوس يعد سحتاً في كثير من الأحيان، ولا يجوز دفعها أو أخذها كأجرة على عمل باطل ومحرم شرعاً.
رأي المحرر والكلمة الفصل
في الختام، يظهر جلياً أن رأي السيد السيستاني يتناغم مع المقاصد العليا للشريعة التي تحمي العقل والعقيدة. الزار ليس مجرد تراث، بل هو ممارسة قد تخدش جوهر التوحيد وتؤدي إلى مفاسد اجتماعية ونفسية. إن المسار الصحيح للمؤمن يكمن في اللجوء إلى الوسائل المشروعة للعلاج، واليقين بأن الخالق هو مسبب الأسباب، بعيداً عن ضجيج الطبول وادعاءات الغيب الزائفة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.