المحتويات
الجواب المباشر يكمن في التفريق الحاسم بين "الرقص" بمفهومه الحداثي الترفيهي وبين "الحجل" أو "الزفن" الذي نقله الرواة عن حبشة المدينة. لم يكن تمايلاً عبثياً، بل كان تعبيراً فطرياً عن بهجة دينية مشروعة في حضرة النبوة. نعم، شهد المسجد حركات جسدية إيقاعية تحت بصر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حصرها في مصطلح "الرقص" المعاصر يعد تسطيحاً معرفياً يغفل السياق الأنثروبولوجي والشرعي لتلك اللحظة التاريخية الفارقة التي زلزلت مفاهيم الجمود لدى البعض.
الجذور والسياقات: المسجد كفضاء للحياة لا كصومعة للعزلة
علينا أولاً تفتيت تلك الصورة الذهنية المتيبسة التي رسمتها عصور الانحطاط عن المسجد؛ فالمسجد في العصر الأول كان برلماناً، ومشفى، وساحة عرض، ومنطلقاً للجيوش. حينما نتحدث عن "الزفن" (وهو الرقص بلغة الحبشة)، نحن نتحدث عن نشاط بدني ارتبط بوفد قدم من ثقافة مغايرة، وجد في رحاب الإسلام سعة لم يجدها في غيره. إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لـ "أصحاب الرماح" وهم يزفنون في المسجد يوم العيد، لم يكن مجرد تسامح عابر، بل كان تأسيساً لقاعدة "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".
السياق هنا هو "الفرح المقنن". الصحابة، وخاصة من غير العرب كأهل الحبشة، جلبوا معهم موروثهم التعبيري الذي لم يصطدم بجوهر العقيدة. الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم لا تترك مجالاً للشك في وقوع الفعل، لكنها تحصره في سياق "العيد" و"الوفادة". المسجد النبوي، بترابه وسقفه من الجريد، احتضن هذه الحيوية البشرية، مما يثبت أن القداسة لا تعني الجمود، وأن الوقار النبوي لم يمنع عائشة رضي الله عنها من النظر والاستمتاع بهذا العرض الفلكلوري العسكري من وراء عاتق النبي الكريم.
التشريح اللغوي والفقيه: ما وراء مصطلح "الحجل" و"الزفن"
تستخدم النصوص التراثية مفردات دقيقة جداً يجهلها المتحدث المعاصر. نجد لفظ "الحجل"، وهو القفز على رجل واحدة، وقد رُوي أن جعفر بن أبي طالب وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة حجلوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم عند صدور كلمات الثناء في حقهم. هذا الفعل هو ذروة الطرب الروحي والنشوة الوجدانية التي تترجم إلى حركة جسدية. الفرق الجوهري هنا أن هذا التحرك لم يكن تكسراً أو ميوعة، بل كان "رقص الأبطال"؛ حركات تتسم بالرجولة والبهجة المتوقدة.
الفقهاء المتقدمون، حين ناقشوا هذه الواقعة، لم يسقطوا عليها أحكام الملاهي المحرمة، بل اعتبروها "لعباً مباحاً" في أوقات مخصوصة. الإشكالية المعرفية تكمن في أن العقل الجمعي المتأخر خلط بين رقصات المجون وبين هذا الحجل الذي هو تعبير عن الغبطة. إن سبر أغوار المرويات يكشف لنا أن الصحابة لم يكونوا "دراويش" يتمايلون بلا وعي، بل كانوا بشراً متسقين مع فطرتهم، يعبرون عن ولائهم وحبهم للنبي بأساليب جسدية كانت معهودة في ثقافتهم وبيئتهم، دون أن ينقص ذلك من هيبة المحراب شيئاً.
التداعيات العملية: كيف نفهم "الفن" في المنظور الصحابي؟
إن إباحة هذا النوع من الحركة داخل المسجد تدمر سردية "الانغلاق التام" التي يحاول البعض إلصاقها بالرعيل الأول. الممارسة العملية هنا تقول إن الجسد ليس عدواً للروح، وأن الحركة الإيقاعية إذا تجردت من المحرمات المرافقة (كالعري أو خلط المقاصد) تظل في دائرة العفو أو الندب في مواطن الفرح. الصحابة الذين جاهدوا وبنوا الحضارة، لم يجدوا غضاضة في رؤية الحبشة وهم يرقصون بحرابهم، بل إن عمر بن الخطاب عندما أراد زجرهم بالحصباء، منعه النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكداً على خصوصية اللحظة وخصوصية القوم.
هذا الفهم يفتح الباب أمام إعادة قراءة الفنون الأدائية في المجتمع الإسلامي المعاصر. إذا كان المسجد، وهو أقدس البقاع، قد اتسع لزفن الحبشة وحجل الصحابة في لحظات الوفاء، فمن باب أولى أن يتسع الفكر الإسلامي لاستيعاب الفنون التي تخدم القيم والجمال. إننا أمام نموذج فريد من "التدين الحيوي" الذي لا يرى في الفرح نقيضاً للتقوى، بل يراه مكملاً لها، شريطة أن تظل البوصلة متجهة نحو المعنى لا نحو المادة الصرفة.
مزالق شائعة ونصائح الخبراء عند دراسة الأثر
عند البحث في مسألة رقص الصحابة في المسجد، يقع الكثيرون في فخ الخلط بين "الحجل" (وهو القفز على رجل واحدة تعبيراً عن الفرح) وبين الرقص الاستعراضي الممنهج المعاصر. يوضح الخبراء أن المزالق الشائعة تشمل إسقاط المصطلحات الحديثة على نصوص قديمة؛ فما ورد في الأثر عن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين "حجل" فرحاً بقول النبي ﷺ له: "أشبهت خَلقي وخ
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.