الإجابة القاطعة هي نعم، يجوز شرعاً إخراج زكاة المال للأخ المحتاج بشرط واحد رئيسي، وهو ألا يكون الأخ المكلف بإخراج الزكاة ملزماً بالنفقة عليه شرعاً، بل على العكس يُعد دفْعها للأقارب المحتاجين, وخاصة الإخوة والأخوات, من باب صدقة الصلة والقرابة التي تضاعف بها الأجر أجرين.
Context and foundations
تشابكت عرى الأرحام في المنظومة التشريعية الإسلامية لتشكل شبكة أمان اجتماعي محكمة، تتكفل بسد الخلت، ورفع البؤس عن كاهل المعسرين. تتبدى هذه العناية الربانية جلية في تشريع الزكاة، الركن الثالث من أركان الإسلام، التي وضعت مصارفها بدقة في سورة التوبة. وحين نتأمل نصوص الشريعة الغراء، نجد أن الأصل في الزكاة أنها تُصرف للأباعد والأقارب المحرومين على حد سواء، بل إن الأقارب الذين لا تجب نفقتهم على المزكي هم أولى بالمعروف وأحق بالرعاية من غيرهم، تطبيقاً لقاعدة الأقرب فالأقرب.
المعيار الفيصل هنا يدور حول فكرة وجوب النفقة. فالإنسان مكلف شرعاً بالإنفاق على أصوله (كالآباء والأمهات) وفروعه (كالأنباء والبنات) وزوجته إذا توافرت شروطها. هؤلاء الأصناف لا يجوز إعطاؤهم من زكاة المال لأن المزكي ملزم قانوناً وشرعاً بكفايتهم، ودفع الزكاة لهم يعني إسقاطاً لواجب النفقة عن عاتقه وتحويلها لمال الزكاة، وهو ما لا يجوز إجماعاً. أما الإخوة والأخوات، فلا تجب نفقتهم على أخيهم إلا في حالات استثنائية بالغة الضيق، كالعجز الكلي أو عدم وجود عائل آخر، مما يخرجهم من دائرة النفقة الواجبة إلى دائرة الاستحقاق الزكوي إذا توفرت فيهم شروط الفقر والمسكنة.
Key analysis
يتطلب الأمر منا تفكيك المعايير الدقيقة التي ضبط بها الفقهاء المعاصرون هذه المسألة، منعاً للتحايل أو ضياع المقاصد الشرعية. الشرط الأساسي الذي يسبق أي اعتبار هو تحقق صفة الفقر أو الحاجة الماسة في الأخ المعني. فإذا كان الأخ قادراً على الكسب، أو يمتلك دخلاً يكفيه ويكفي من يعول، حُرم من أخذ الزكاة تماماً كأي شخص أجنبي غني. المال هنا وديعة مقدسة لا تورث للمستغنين، بل هي لفقراء المسلمين ومساكينهم، والأخ المحتاج الذي يعاني من ضائقة مالية حقيقية، أو تراكمت عليه الديون العجزية، أو عجز عن توفير قوت عياله الأساسي، يدخل قطعاً في مصف الغارمين أو الفقراء.
الجانب الثاني الذي يستوجب التأمل هو انتفاء تهمة جلب المنفعة الشخصية للمزكي. فلو دفع الرجل زكاته لأخيه لكي يسقط عنه ديناً شارك فيه، أو لكي يتقي به مطالبة مالية قد تلحق الضرر بالأسرة ككل، فهنا تبرز إشكاليات فقهية حول انتفاء شروط الاستحقاق الحقيقي. يجب أن يكون الدافع الأوحد هو تلبية حاجة الأخ المعوز، لا تبرئة ذمة المزكي من التزامات عائلية يراها ثقيلة. الشريعة تحرس المقاصد، وتمنع استخدام الزكاة كأداة تحايل لتحقيق مكاسب شخصية أو تخفيف أعباء معيشية اعتيادية يتحملها الإنسان عادة تجاه محيطه العائلي المقرب.
Practical implications
تتجسد التطبيقات العملية لهذه الأحكام في واقعنا المعاصر بصور متعددة تستوجب الوعي والتبصر. حين يقرر المسلم توجيه جزء من زكاة ماله لأخيه العاطل عن العمل، أو الذي يعجز عن دفع تكاليف علاج باهظة، أو تعثر في سداد ديون غارمة، فإنه يحقق غايتين عظيمتين دفعة واحدة؛ الأولى هي أداء الفريضة الواجبة وإبراء الذمة أمام الله، والثانية هي وصل الرحم وترميم الروابط الأسرية التي قد تصدعها ضغوط الحياة المادية والمعيشية القاسية.
من الناحية العملية، يُفضل دائماً حفظ كرامة الأخ المعطى له، بحيث يمكن إعطاؤه المال بطريقة لا تشعره بالمهانة أو الانتقاص من قدره، كأن يُدفع له تحت عنوان الهدية أو المساعدة المؤقتة مع نية الزكاة في قلب المزكي، ما لم يكن هناك مقتضٍ لإخباره بحقيقة المال حتى لا يحدث التباس. إن إدراك هذه الفروق الدقيقة يمكننا من توظيف أموال الزكاة في مساراتها الصحيحة، لتعود على المجتمع الأسري والمجتمع الأوسع بالاستقرار والتكافل الحقيقي الذي أراده الشارع الحكيم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.