أول قطرة دم على مصحف عثمان
في لحظات الحزن الأخيرة من حياة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، كانت هناك لحظة عظيمة خلدتها الأحداث. كان عثمان يجتمع بربه وهو قارئ في مصحفه، ذلك المصحف الذي كان يحمله ويتأمل فيه، حين فاجأته يد البغي والعدوان. بينما كان يقرأ آية من سورة البقرة: "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم"، سالت أول قطرة دم من جسده الطاهر على السطر ذاته.
كان ذلك المصحف شخصيًا لعثمان، لم يكن مجرد ورقة أو كتاب، بل رفيق لكل ليله ونهاره. وعندما اعتدى عليه كنانة بن بشر بن عتاب بمشاقص في يده، وأصاب أذنه فدخل السلاح في حلقه، لم يصرخ، ولم يرفع صوته بالشكوى، بل بقي صابرًا، وكلمته الأخيرة كانت مع ربه، عبر كلمات القرآن.
ما زاد في عظمة المشهد أن أثر الدم لم يُمح بعد وفاته، فظلت القطرة السوداء على المصحف شاهدة على براءته، وعلى طهارته، وعلى نبل منتهى الصبر. لم يكن مجرد دم، بل رسالة خالدة: أن من يموت على كتاب الله، لا يُنسى أجره، ولا تُطمس بصماته.
هذا المصحف، الذي لا يزال يُحفظ في طشقند عاصمة أوزبكستان اليوم، يحمل في طياته أكثر من حرف وحبر؛ يحمل وصية، ودمعة، وقصة وفاء. ففي كل مرة نقرأ "فسيكفيكهم الله"، نتذكر أن الله كفاه، ورفع قدره، وجعل دمه شهادة، وسورة البقرة شاهدة على عزّه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.