مقدمة تمهيدية حول المسألة العقدية

تُعتبر مسألة صفات الله سبحانه وتعالى، ولا سيما ما يتعلق بمفاهيم "الاستواء" و"العرش" وكيفية تعلق الذات الإلهية بالمكان والجهة، واحدة من أعمق وأدق المباحث في علم الكلام الإسلامي. وقد شغلت هذه القضية عقول المتكلمين والمفسرين والفقهاء عبر التاريخ الإسلامي الطويل، مخلفةً وراءها تراثاً واسعاً من النقاشات العقدية والنقاشات الفلسفية الدقيقة.

وعندما نطرح السؤال المحوري: هل الله جالس على العرش عند الشيعة؟، فإننا ندخل في قلب العقيدة الإمامية الاثني عشرية التي تبنت منهجاً عقلياً ونقلياً صارماً في تنزيه الله عز وجل عن صفات المخلوقين، رافضةً بشكل قاطع أي تصور يفيد التجسيم، أو التحيُّز، أو الجلوس، أو الاستقرار المكاني. يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذا الموضوع بدقة علمية وأكاديمية، مستعرضاً الأصول العقدية والنصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير آيات العرش والتدبير الإلهي.

1. التنزيه المطلق ونفي الجسمية والتحيز

تُعد قاعدة "التنزيه المطلق" الحجر الأساس والركيزة الكبرى في المنظومة العقدية للإمامية الاثني عشرية. فالله سبحانه وتعالى في المنظور الشيعي ليس جسماً، ولا يُشبه الأجسام لا في الكثافة ولا في اللطافة، ولا تحده الحدود، ولا تكتنفه الجهات.

  • استحالة المكان والزمان: بناءً على الأصول الكلامية المستمدة من محكم القرآن الكريم والأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فإن الله تعالى خالق الزمان والمكان، ومبدعهما، فلا يصح عقلاً أن يحويه مكان أو يحده زمان.

  • رفض الجلوس والاستقرار: إن مفهوم "الجلوس" أو "القعود" أو "الاستقرار المادي" هو من صفات الأجسام والمخلوقات المحدودة التي تحتاج إلى محيز تقوم فيه. ولذلك، فإن نسبة الجلوس إلى الله تعالى تُعتبر عند متكلمي الإمامية تناقضاً صارخاً مع وحدانية الله ووجوب وجوده المطلق.

وقد ورد في النصوص المتواترة عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وغيره من الأئمة التأكيد الدائم على أن وصف الله تعالى بالأعراض أو الحركات أو السكون أو الحلول هو نوع من الشرك الخفي أو التشبيه المرفوض، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى في محكم كتابه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11).

2. تفسير آيات العرش والاستواء في المنظور الإباضي والجعفري

عندما تقع العين على الآيات القرآنية التي تتحدث عن العرش والاستواء، مثل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} (طه: 5)، يختلف المنهج التأويلي عند الإمامية جذرياً عن المنهجات الحرفية أو التجسيمية.

  • معنى الاستواء في اللغة والعقيدة: يذهب المحققون من علماء الإمامية إلى أن "الاستواء" في اللغة يأتي بعدة معانٍ، وأبرزها في سياق النصوص الإلهية هو الاستيلاء، والهيمنة، والتدبير، والملك، لا الجلوس المادي أو الاستقرار الحسي. فالعرش هنا يُفسر بأنه رمزٌ لعظمة السلطان الإلهي وإحاطة تدبيره بجميع المخلوقات.

  • العرش كرمز للعلوم والإحاطة: في الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، يُشار أحياناً إلى أن العرش هو مجمع الحقائق الكونية أو العلم الإلهي الذي يُدبر به أمر الخليقة، وليس كرسياً مادياً يجلس عليه الخالق سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

يقول العلامة المجلسي وغيره من شراح الأحاديث في بحار الأنوار ومصادرهم الأخرى: إن كل لفظ ورد في القرآن أو السنة يوهم الظاهر منه الجسمية أو الجهة، فإنه يجب تأويله بما يليق بجلال الله وعظمته، وفقاً للمحكمات القرآنية التي تقطع بنفي الشبيه والممثل عن الذات الإلهية المقدسة.

الخلاصة والامتداد المعرفي للقسم الأول

يتضح جلياً من خلال استعراض الأصول العقدية الأولى للإمامية الاثني عشرية أن الإجابة القاطعة على السؤال المطروح هي النفي التام والبات؛ فالله سبحانه وتعالى ليس جالسًا على العرش، ولا يحويه مكان، ولا تحده جهة. العرش في فهمهم هو عرش التدبير والقدرة والسلطان، والاستواء هو استيلاء الهيمنة والقيومية على الكون، وليس استقراراً مكانياً حسياً.

<!DOCTYPE html> <html> <head> <title>Hello</title> </head> <body>

Hello!

</body> </html>