الساعات الأخيرة: رحيل سيد البشر وخاتم المرسلين
استمر مرض النبي صلى الله عليه وسلم أياماً قاربث الثلاثة عشر يوماً، اتسمت بشدة الوجع وارتفاع درجات الحرارة. فقد كان يوعك وعكاً شديداً يجعل الصحابة يشفقون عليه، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها مؤكدة قسوة الألم: «ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم». ورغم هذا البلاء الشديد، لم يتخلف عن حرصه على مصلحة أمته، فكان في أوقات خفة المرض يخرج متهادياً بين الرجلين ليصلي بالناس، مؤكداً على أهمية عمود الدين حتى في أتعس الظروف.
«إن العبد ليوكّر عليه ليكون كفارة لخطاياه، وإن الأنبياء أشد الناس بلاءً».
وفي قمة ذلك الألم، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة في الأمانة وبر الذمة؛ إذ تذكر دنانير كانت عنده فأمر بتوزيعها وتصدق بها قبل أن يلقى ربه، قائلين: «ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده؟!». وحين اشتد به الكرب في يومه الأخير، دخل عليه عبدالرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك، فأحس النبي صلى الله عليه وسلم بحاجته إليه فاستنه بأحسن ما كان مستناً.
لحظات الوفاة والرفيق الأعلى
تجلت أعظم معاني التوحيد والتعلق بالخلق العظيم في لحظات الاحتضار؛ فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تسنده إلى صدرها، وتروي أنه جعل يدخل يده في ركوة فيها ماء فيمسح بها وجهه ويقول:
«لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات».
ثم رفع يده الكريمة إلى الأعلى وشخص بصره نحو الملأ الأعلى، ناغماً بصوت هادئ متطلع إلى الجنة:
«في الرفيق الأعلى.. في الرفيق الأعلى».
وبهذه الكلمات الطاهرة، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في الضحى من يوم الإثنين، الثاني عشر من ربيع الأول لعام 11 هجرية، لتنقطع الوحي من السماء، وتعيش الأمة الإسلامية صدمة الفقد الأعظم، تاركاً خلفه إرثاً خالداً من الهداية والنور يضيء طريق البشرية إلى يوم الدين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.