مقدمة وتحليل لغوي وتاريخي لمظهر النبي صلى الله عليه وسلم
مقدمة البحث: بين المظهر الشريف والسنن اليومية
يُعدّ الهدي النبوي الشريف في المظهر والشمائل المحمدية باباً واسعاً من أبواب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومحبةً لخصائصه الجسدية والخلقية التي حفظتها كتب السنة الشريفة والسير النبوية بدقة متناهية. ومن أبرز المسائل التي تثير فضول الباحثين والمهتمين بالشمائل: صفة شعره الشريف، وهل كان للنبي صلى الله عليه وسلم ضفائر؟
تكتسب هذه المسألة أهميتها من كونها تتعلق بهيئة بشرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تواتر نقلها عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين كانوا أحرص الناس على تتبع كل تفصيلة من تفاصيل حياته الشريفة، حركةً وسكوناً، مظهراً ومخبراً. وفي هذا المقال الموسع، سنفصل هذه المسألة من جوانبها اللغوية والحديثية والتاريخية، لنصل إلى خلاصة علمية دقيقة توضح جلياً هيئة شعره المبارك.
أولاً: الأحاديث النبوية الثابتة في صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم
وردت روايات صحيحة عديدة في كتب الصحاح والمسانيد تصف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتحدث عن طوله وكيفية تسريحه. ومن أصحّ ما ورد في ذلك ما رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، وغيرهما من الصحابة.
1. طول الشعر الشريف
كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم يختلف طوله بحسب الأحوال والأسفار وظروف الحياة، ولكنه في الغالب كان يتراوح بين أطوالٍ ثلاثة معروفة عند العرب في ذلك العصر:
الوَفرَة: وهي ما جاذب شحمة الأذن.
الجُّمَّة: وهي ما سقط على المنكبين (الكتفين).
اللِّمَّة: وهي ما ألمّ بمنكبيه أو قارب الكتفين.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم إلى نصف أذنيه" أو "إلى شحمة أذنيه"، وفي رواية أخرى لمسلم عن أنس أيضاً قال: "كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرباً إلى منكبيه". وهذا يدل على أن شعره الشريف كان جميلاً وافراً يبلغ الكتفين أحياناً، ولا سيما إذا طال وتركه النبي صلى الله عليه وسلم من غير تقصير لفترة.
ثانياً: مفهوم "الذوائب" و"الضفائر" في التراث العربي والحديثي
لكي نفهم بدقة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ ضفائر، يجب علينا أولاً تحرير المصطلحات اللغوية السائدة في القرن الأول الهجري وما قبله.
الضفيرة أو العقيصة: هي ما جُمِع من الشعر فُلُفّ بعضه على بعض أو طُوِي حتى يلتوي (وهو ما يُعرف اليوم بالجدائل أو الضفائر).
الذَّوْب أو الذَّوائب: جمع ذؤابة، وهي ما طال من الشعر فتدلى إلى الخلف. وكانت العرب -رجالاً ونساءً- يُرسلون شعورهم، فإذا طالت وتفرقت أرسلوها أرسالاً، أو جمعوها طاقاتٍ أو خُصلاً متفرقة.
وقد وردت أحاديث صريحة تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ أحياناً ذوائب في شعره الشريف، لا سيما في المناسبات الكبرى مثل فتح مكة.
ثالثاً: الأدلة الصريحة من السنة على وجود الذوائب
من أهم الروايات الواردة في هذا الباب ما أخرجه الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة متمسكاً، وله أربع ذوائب" (وفي رواية: "أربع غدائر").
وهذا الحديث نص صريح صحيح يعتمده العلماء والفقهاء في إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل شعره الشريف أربع ذوائب في بعض الأوقات، والذؤابة هنا تعني الخصلة المتدلية الطويلة من الشعر التي تُجمع وتُرخى إلى الخلف.
آراء الشراح والمحدثين في معنى "الأربع ذوائب"
يُشرح هذا الحديث عادةً في كتب إعلام السنن وشروح الحفاظ (مثل شروح السيوطي والمباركفوري والعيني) بأن العرب في ذلك الزمان كانوا يفرقون شعر رؤوسهم أحياناً، فإذا طال الشعر جعلوا منه خصلات أو غدائر متدلية تُعرف بالذوائب. ولم يكن ذلك على سبيل التشبه بالنساء -حاشاه صلى الله عليه وسلم- بل كان من باب تسريح الشعر الوافر وترتيبه أثناء السفر أو في مواطن الزحام والفتوح، حتى لا يتطاير بفعل الرياح أو الغبار.
رابعاً: الهيئة العامة لشعر النبي صلى الله عليه وسلم (بين الجعد والسبط)
إلى جانب مسألة الطول والذوائب، وصف الصحابة نوع شعر النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً دقيقاً يزيل أي لبس؛ فلم يكن شعره قط شديد الجعودة (المفلفل)، ولم يكن شديد الاسترسال كالمرأة (السبط المفرط في الاستواء)، بل كان بين ذلك.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، لا جعداً قططاً، ولا سبطاً رجلاً" (يعني بين الجعودة والسبوطة، فيه تموّج خفيف ومستحسن).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه".
خامساً: هل كانت الضفائر سنة دائمة أم عارضة؟
يُجمع المحققون من أهل العلم والسير أن اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم للذوائب لم يكن ديدنه الدائم في كل الأوقات، بل كان فعلاً بيانياً أو حالة عارضة اقتضتها ظروف معينة (مثل السفر الطويل أو الدخول الكبير لمكة المكرمة)، بينما الغالب في هديه اليومي الاعتيادي هو تركه مُسدلاً أو مفرقاً، مع العناية التامة به دهناً وترجيلاً وتنظيفاً.
فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كنت أرجّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض"، والترجيل هو التمشيط وتسريح الشعر وتعهده بالدهن والمشط. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن كان له شعر فليكرمه"، مما يعكس مدى اهتمامه بنظافة شعره الشريف وجمال مظهره.
سادساً: الدروس المستفادة من هدي النبي في مظهره
إن تتبع هذه التفاصيل الشريفة ليس مجرد ترف تاريخي أو سرد لوقائع ماضية، بل يحمل دلالات تربوية وعملية عميقة لكل مسلم يقتدي بنبيه:
الاهتمام بالمظهر والنظافة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على نظافة شعره وترتيبه ودهنه، وتجنب الهيئة الشعثاء المبعثرة.
الاعتدال والوسطية: فلم يكن في هيئته مبالغة في الترف والتزين المذموم، ولا إهمال يفضي إلى قبح المنظر.
مشروعية العناية بالشعر للرجال: تدل هذه الآثار على جواز إطالة الشعر للرجال إذا توفرت النية الصالحة والعناية المستمرة به، شريطة ألا يكون ذلك على وجه التشبه المحظور أو الإهمال المؤذي للمجتمع.
بهذا العرض التفصيلي للأدلة الحديثية واللغوية، يتضح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ورد عنه إرخاء الذوائب وجعلها أربعاً في مواقف محددة كفتح مكة، مع كونه في أغلب أحيانه يتركه وافراً يبلغ منكبيه أو أذنيه، مُسرّحاً ومدهوناً في غاية النظافة والجمال.
الخلاصة الفقهية والتاريخية: هل تصفيف الشعر ضفائر سُنّة تعبدية أم عادة؟
تأسيساً على ما تم بيانه في القسم الأول من عرض الروايات الواردة في صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم، يجدر بنا الوقوف عند التحليل الفقهي والتاريخي لهذه الهيئة، لفهم المقصد الشرعي منها بدقة.
دلالة الأحاديث وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم
ورد في بعض السنن والروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ضفر شعره في أحوال محددة، مثل ما جاء في روايات وصف قدومه إلى مكة أو في الأسفار. وقد بيّن الحفاظ وموثقو السيرة أن ضفر الشعر (صنعه ضفائر) كان من عادة العرب في ذلك الزمان، لا سيما أصحاب الشعر الطويل في السفر؛ لحمايته من الغبار، وتسهيل العناية به، ومنع تشابكه أثناء التنقل والجهاد.
الفرق بين "سنة العادات" و"سنة العبادات"
يُقرر علماء الفقه والأصول قاعدة أساسية في التعامل مع الأفعال النبوية، وهي التفريق بين ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره مشرّعاً وقدوة تعبدية، وما صدر عنه باعتباره بشراً موافقاً لعادات بيئته وقومه:
العناية بالشعر وإكرامه: سُنّة مؤكدة ومقصودة لذاتها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ".
الهيئة المحددة (كالضفائر أو الإرسال): تندرج تحت "سنة العادات" والأعراف البيئية السائدة في عصر النبوة، وليست تعبداً لازماً يُثاب تاركه بالعقاب أو يُشرع للناس التعبد به بذاته.
أقوال أهل العلم في الهدي النبوي
أوضح الإمام النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهما من شراح الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنوع في هيئة شعره بحسب الحال؛ فقد كان يطيله أحياناً فيبلغ شحمة أذنيه أو عاتقه، وكان يسدله أحياناً ويفرقه أحياناً أخرى، وضفره في أحوال السفر والحاجة. وعليه، فإن مقصود الشارع الحكيم هو النظافة، والتسريح، والتجمل المعتدل، والبعد عن الإهمال والتجهم في المظهر، بغض النظر عن النمط الثابت لتسريحة الشعر.
خاتمة المقال
في الختام، يتبين أن الإجابة القاطعة هي الإثبات المؤقت؛ فقد ثبت أن للنبي صلى الله عليه وسلم ضفائر في بعض الأوقات كالسفر، ولكنه لم يتخذه شعاراً دائماً أو هيئة لازمة في الحضر. إن الاقتداء الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لا يكمن في تقليد الشكل الحرفي لشعره فحسب، بل في العناية بالمظهر النظيف، والمحافظة على اللائق من الهيئات الاجتماعية، وإكرام النفس والجسد بما لا يخالف الشرع ولا يخرج عن المألوف الكريم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.