المحتويات
الإجابة المباشرة التي يقتضيها الورع الفقهي هي: لا يجوز صرف الزكاة لبناء البيوت كأصل عام، إلا في حالات ضيقة جداً تتعلق بتمام الكفاية للمسكين الذي لا مأوى له إطلاقاً. الزكاة حق معلوم للفقراء والمساكين تمليكاً لا استهلاكاً في أصول عقارية عامة، وصرفها في التشييد والبناء قد يخرجها عن فلسفتها الجوهرية وهي سد الخلة العاجلة وإغناء المحتاج. ومع ذلك، يظل الجدل قائماً بين من يراه باباً من أبواب "في سبيل الله" وبين المتمسكين بحرفية المصارف الثمانية المنصوص عليها قرآنياً.
جذور المسألة والمقاصد الكلية للتشريع المالي الإسلامي
إن إدراك فلسفة المال في الإسلام يبدأ من فهم أن الزكاة ليست ضريبة تقتطعها الدولة لإنشاء البنية التحتية، بل هي عبادة مالية تهدف إلى إعادة تدوير الثروة لتمكين الفرد. الفقهاء الأوائل، وعلى رأسهم أصحاب المذاهب الأربعة، شددوا على شرط التمليك. هذا الشرط يعني أن يدفع المال إلى الفقير ليصبح ملكاً خالصاً له، يتصرف فيه كيفما يشاء. وعندما نقوم ببناء بيت من أموال الزكاة، فإننا نقيد هذا الحق ونحبس السيولة في حجارة قد لا تلبي حاجة الجائع أو المريض.
لكن، هل يمكن اعتبار المسكن من جملة "الكفاية"؟ نعم، فالإمام النووي وابن تيمية وغيرهم أشاروا إلى أن الفقير يُعطى ما يكفيه وعياله. والسكني جزء أصيل من الكفاية. الإشكالية تكمن في آلية التنفيذ؛ فإذا كان المراد بناء مجمعات سكنية عامة تظل ملكاً لجهة خيرية، فهذا وقف وليس زكاة. أما إذا كان البناء لفقير بعينه على أرض يملكها لستر عورته وتأمين أهله، فهنا يتسع ثقب الإبرة الفقهي قليلاً ليسمح بمرور الاستثناء، شريطة أن يكون هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذه من التشرد.
التشريح الفقهي لمصرف "في سبيل الله" وعلاقته بالعمران
يرتكز القائلون بجواز البناء من الزكاة على توسيع دلالة مصرف "في سبيل الله". تاريخياً، حصر جمهور الفقهاء هذا المصرف في الجهاد والغزو، لكن مدرسة التجديد الفقهي المعاصرة بدأت تميل إلى إلحاق كل ما فيه مصلحة عامة للمسلمين بهذا البند. هذا التوسع، رغم بريقه الإنساني، يواجه معارضة شرسة؛ لأن فتح هذا الباب على مصراعيه قد يؤدي إلى نضوب السيولة النقدية التي يحتاجها الفقراء لمصاريفهم اليومية من طعام ودواء، فتتحول أموال الزكاة إلى مقاولات إنشائية طويلة الأمد.
علينا أن نميز بدقة متناهية بين الفقير الذي يحتاج سكناً وبين المجتمع الذي يحتاج مشروعاً سكنياً. في الحالة الأولى، يجوز إعطاؤه قيمة الإيجار أو مساعدته في ترميم غرفة تقيه الحر والقر من سهمه المقدر، أما الحالة الثانية فهي من وظائف بيت مال المسلمين (ميزانية الدولة) أو الصدقات الجارية والتبرعات العامة. إن الخلط بين هذه المسارات يربك الحسابات الختامية لفريضة الزكاة ويجعلها عرضة للتلاعب تحت مسميات التنمية المستدامة التي قد لا تسمن ولا تغني من جوع في الأمد القريب.
الإسقاطات الواقعية وتعقيدات التنفيذ في العصر الراهن
واقعنا المعاصر يفرض ضغوطاً هائلة؛ تكاليف العقارات أصبحت فلكية، والفقير الذي يملك أرضاً ولا يملك ثمن الإسمنت هو شخص غني في الأصول وفقير في السيولة. هنا تبرز إشكالية "الغارم"؛ فإذا استدان الفقير لبناء بيت ضروري، جاز سداد دينه من الزكاة باتفاق. فلماذا نمنع البناء ابتداءً ونسمح بسداد الدين بعد وقوعه؟ هذا التساؤل المنطقي يدفعنا للقول بأن المنع ليس لذات البناء، بل لضمان عدم ضياع أموال الزكاة في مصاريف إدارية أو هندسية أو صفقات تجارية لا تصل قيمتها الحقيقية ليد المستحق.
علاوة على ذلك، فإن بناء المساكن يتطلب وقتاً طويلاً، والزكاة واجبة على الفور. حبس أموال الزكاة لسنوات حتى يكتمل البناء يعطل مصلحة الفقراء الآخرين. لذا، فإن الفتوى الرصينة تميل إلى ترجيح الإيجار أو شراء مسكن جاهز وتمليكه للفقير مباشرة إذا فاضت أموال الزكاة عن الحاجات الأساسية الأخرى. إن الأولوية دائماً للبشر قبل الحجر، ولإحياء النفوس قبل تشييد الصروح، ولن يكون الحجر مباركاً إذا بُني بمال كان ينبغي أن يوضع في يد أرملة تشتري به حليباً لرضيعها.
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند إخراج الزكاة لبناء المسكن
يقع الكثير من المزكين في خلط كبير بين الصدقة الجارية وفريضة الزكاة؛ حيث يعتقد البعض أن بناء البيوت للفقراء يندرج تحت باب الصدقة العامة التي لا تمليك فيها، بينما يشترط جمهور الفقهاء في الزكاة "التمليك". ومن الأخطاء الشائعة أيضاً توجيه أموال الزكاة لبناء مساكن لمن يملكون أصولاً عقارية أخرى أو دخلاً ثابتاً يوفر لهم السكن بالايجار، مما يخرجهم من دائرة الاستحقاق الشرعي.
ينصح الخبراء الشرعيون بضرورة التأكد من أن المستفيد يقع ضمن فئة "الفقراء والمساكين" الذين لا يجدون كفاية السكن، ويفضل أن يتم دفع ثمن مواد البناء أو سداد أقساط المسكن مباشرة لضمان وصول المنفعة لمستحقيها. كما يجب الحذر من استخدام أموال الزكاة في ترميمات "كمالية" ليست من أصل السكن الضروري، لأن الزكاة شرعت لسد الحاجة المُلحة لا للرفاهية. القاعدة الذهبية هنا هي: الضرورات تبيح استهلاك مال الزكاة في الأصول إذا تعذر توفيرها بغير ذلك.
الأسئلة الشائعة حول زكاة بناء البيوت
1. هل يجوز بناء بيت من الزكاة لشخص مدين بسبب تكاليف البناء؟
نعم، يجوز ذلك تحت سهم "الغارمين". إذا استدان الشخص لبناء سكن ضروري له ولأسرته وعجز عن سداد هذه الديون، فيجوز صرف الزكاة له لسداد دينه، بل إن سداد الدين هنا أولى من البدء بالبناء ابتداءً، لأن براءة الذمة من الحقوق الواجبة مقدمة شرعاً.
2. هل يمكن دفع الزكاة لجمعية خيرية تبني مجمعات سكنية للفقراء؟
يجوز بشرط أن تقوم الجمعية بتمليك هذه الوحدات السكنية للفقراء تمليكاً تاماً. أما إذا ظلت الوحدات ملكاً للجمعية والفقير يسكن فيها بنظام الانتفاع فقط، فلا يجوز احتساب ذلك من الزكاة عند أغلب العلماء، بل تعتبر من الصدقات والتبرعات العامة.
3. هل يجوز للأب أن يعطي ابنه من الزكاة لبناء بيت الزوجية؟
لا يجوز ذلك إذا كان الأب ملزماً بالنفقة على ابنه أو كان الابن غنياً بماله. أما إذا كان الابن مستقلاً ومحتاجاً حقاً ولا يملك ثمن المسكن، فقد أجاز بعض العلماء إعطاءه من الزكاة، لكن الأفضل خروجاً من الخلاف توجيهها لغير الفروع والأصول لضمان صحة العبادة.
رأي المحرر الأخير
في الختام، يرى الخبراء أن الأصل في الزكاة هو تلبية الحاجات الآنية من طعام وكساء، لكن نظراً لارتفاع تكاليف المعيشة في العصر الحالي، أصبح السكن يمثل العبء الأكبر الذي يؤرق كاهل الأسر المتعففة. لذا، فإن توجيه الزكاة لبناء مسكن متواضع يستر أسرة فقيرة هو عمل عظيم يحقق مقاصد الشريعة في الإغناء، بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية الدقيقة وضمان وصول الدعم لمن لا يجدون لأنفسهم ظلاً يؤويهم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.