الإجابة المباشرة التي قد تصدم الباحث عن "انتصار" فئوي هي أن الحق ليس صك ملكية حصرياً يتوارثه طرف دون آخر، بل هو قيمة مطلقة تفتتت بين المذاهب. إذا كنت تبحث عن فائز في حلبة صراع، فالحقيقة أن كلاً من الشيعة والسنة يمتلكان أصولاً وجذوراً ضاربة في عمق التجربة الإسلامية الأولى، والبحث عن "من هو على حق" يتطلب الخروج من عباءة التلقين المذهبي إلى رحاب التحليل التاريخي والعقدي المجرد، بعيداً عن صخب المنابر وضجيج الفتاوى الجاهزة التي تقتات على إقصاء الآخر.

السياقات التاريخية وتصدع البنيان الأول

لنضع النقاط على الحروف؛ الخلاف لم يبدأ بآية قرآنية أو نص قطعي الدلالة يحدد هوية "الفرقة الناجية"، بل انبثق من رحم السياسة ومنعرجات السلطة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. السنة يرون في السقيفة وبناء الدولة عبر الشورى والاختيار -وإن شابه ما شابه- تجسيداً لواقعية الإسلام وقدرته على التكيف مع غياب القائد، بينما يرى الشيعة في "الغدير" والوصية لعلي بن أبي طالب أصلاً عقدياً لا يقبل القسمة على اثنين. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو تشظي في الرؤية الكونية للإسلام؛ هل هو دين الدولة والمؤسسة (كما يميل الفكر السني)، أم هو دين الروح والعصمة والارتباط الغيبي بالإمام (كما يرى الفكر الشيعي)؟ إن محاولة فهم هذه الجذور تتطلب شجاعة معرفية للاعتراف بأن كلاً منهما بنى منظومته بناءً على تأويلات لواقع تاريخي معقد، حيث اختلطت دماء الصحابة بمداد الفقهاء، مما خلق هوية مذهبية صلبة يصعب اختراقها بالعاطفة المجردة.

التشريح العقدي: أين تكمن الفجوة الحقيقية؟

بعيداً عن السطحيات، يكمن جوهر الخلاف في مرجعية التلقي. السني يستقي دينه من الكتاب والسنة عبر سلسلة "العدالة المطلقة" للصحابة، بينما يمرر الشيعي إيمانه عبر مصفاة "أهل البيت" حصراً، معتبراً الإمامة ركناً يضاهي النبوة في ضرورته الوجودية. هنا لا نتحدث عن فوارق في الوضوء أو الصلاة، بل عن هندسة مختلفة تماماً لمفهوم "الولاية". السنة ركزوا على تدوين الحديث وضبط الأصول الفقهية لسد ثغرات غياب الوحي، في حين عمق الشيعة مفهوم "الغيبة" والانتظار، مما جعل العقل الشيعي أكثر ميلاً للتنظير الفلسفي والميتافيزيقي، بينما اتسم العقل السني بالنزعة القانونية والإدارية. هذا الاغتراب المتبادل أنتج تراثاً ضخماً من الردود والمناظرات التي لم تكن تهدف للوصول إلى الحقيقة بقدر ما كانت تهدف لتعزيز التفوق الهوياتي. الحق هنا يتوارى خلف ركام هائل من الروايات المتضاربة التي خضعت في كثير من الأحيان لمشارط الجراحين من السياسيين وأصحاب النفوذ عبر العصور.

التبعات الواقعية: ما وراء التنظير الفقهي

العيش في جلباب الماضي أورثنا واقعاً مأزوماً، حيث تحول البحث عن "الأحقية" من ترف فكري إلى وقود للحروب الباردة والساخنة. إن الإشكالية الكبرى في سؤال "من هو على حق" تكمن في أنه يفترض مسبقاً ضلال الطرف الآخر، وهو فخ سقطت فيه الجماهير خلف الفقهاء. في الواقع المعاصر، نجد أن التسنن بات يمثل التيار العريض الذي يرى نفسه حارس الهيكل وحامي الحمى، بينما يمثل التشيع قوة اعتراضية تاريخية تحولت إلى كيانات منظمة تمتلك رؤية ثورية أو انتظارية. الحق، من منظور إنساني وشرعي مقاصدي، يكمن في مدى تحقيق هذه المذاهب لكرامة الإنسان والعدل الاجتماعي، وليس في مدى براعة خطبائها في الحط من شأن رموز الطرف الآخر. إن استمرارية المذهبين لأكثر من أربعة عشر قرناً تعني وجود "نواة صلبة" من الحق في كليهما، وإلا لاندثرا كما اندثرت عشرات الفرق والنحل التي ظهرت واختفت عبر التاريخ الإسلامي.

تجنب المغالطات الشائعة ونصائح الخبراء

عند البحث في مسألة "من على حق"، يقع الكثيرون في فخ التعميم العاطفي أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة تقتات على إثارة الفتنة. يؤكد الخبراء أن المنهج الأسلم يبدأ من تفكيك الأحكام المسبقة؛ فلا يمكن اختزال المذهب السني في تيار متشدد، ولا المذهب الشيعي في ممارسات طقسية معينة. من الضروري إدراك أن الخلاف في أصله هو مزيج بين تأويلات نصوص ظنية وسياقات سياسية تاريخية فرضت ظلالها على العقيدة.

النصيحة الأهم هي التركيز على المشتركات الكبرى (كالتوحيد، والقبلة، والقرآن) بدلاً من الغرق في تفاصيل "الفروع" التي لا تفسد للود قضية. يوصي الباحثون بالاعتماد على المصادر الأصلية لكل مذهب عند الدراسة، وتجنب سماع وصف "الآخر" من خصمه. إن الهدف من البحث لا يجب أن يكون "الانتصار" في مناظرة، بل الوصول إلى تفاهم إنساني ومعرفي يضمن التعايش السلمي، فالحق يتسع للجميع إذا خلصت النوايا.

الأسئلة الشائعة حول الخلاف بين السنة والشيعة

ما هو جوهر الاختلاف الرئيسي بين المذهبين؟

يتمحور الاختلاف الجوهري حول مسألة الإمامة وقيادة الأمة بعد النبي محمد. يرى أهل السنة أن الأمر شورى وأن القيادة سياسية مدنية، بينما يرى الشيعة أنها تعيين إلهي ينحصر في آل البيت (الأئمة)، وهذا أدى بدوره لتباعد طفيف في طرق استنباط الأحكام ومصادر الحديث.

هل يؤمن الطرفان بذات القرآن الكريم؟

نعم، يجمع كبار علماء الطائفتين على أن القرآن الكريم واحد لا زيادة فيه ولا نقصان، وهو المصدر التشريعي الأول للجميع. أي ادعاءات بخلاف ذلك هي أقوال شاذة لا تمثل الموقف الرسمي للمذاهب المعتبرة عبر العصور.

هل يمكن تحقيق تقارب حقيقي بين المذهبين اليوم؟

التقارب ممكن وموجود بالفعل على المستويات الأكاديمية والاجتماعية. يرى الخبراء أن "وحدة الهدف" في مواجهة التحديات المعاصرة أهم من "وحدة المعتقد". التقارب لا يعني ذوبان مذهب في الآخر، بل الاعتراف المتبادل بـ مشروعية الاختلاف داخل إطار الإسلام الواسع.

كلمة المحرر: رؤية ختامية

في الختام، إن سؤال "من هو على حق" قد لا يجد إجابة قاطعة ترضي الجميع لأن "الحق" في المسائل الاجتهادية هو مفهوم نسبي يعتمد على القناعة القلبية والدليل المعرفي الذي يطمئن إليه الفرد. كلا المذهبين يمثلان ثراءً فكرياً وتاريخياً للحضارة الإسلامية. الرأي السديد هو أن الحق يكمن في التقوى وحسن الخلق والعمل بما يجمع الأمة لا ما يفرقها، فالدين في جوهره هو رحمة للعالمين وليس وقوداً للصراعات الطائفية.