المحتويات
نعم، وبشكل قاطع، يرى سماحة السيد علي السيستاني أن المراهنة على مباريات كرة القدم والرياضات المختلفة تندرج تحت عنوان القمار المحرم شرعاً. لا مواربة في هذا الحكم؛ فكل عملية مراهنة تتضمن دفع مبلغ مالي مقابل احتمال الربح أو الخسارة بناءً على نتيجة غيبية للمباراة هي "سحت" ومال حرام. لا يغير من جوهر الحكم تسميتها بـ "التوقعات" أو "المسابقات الرياضية" أو "الرهان الودي"، فالعبرة في الفقه بالحقائق والمقاصد لا بالألفاظ والأسماء الرنانة التي تحاول تجميل الواقع.
الجذور الفقهية والأسس التي يرتكز عليها فتوى المنع
حين نغوص في أعماق الاستنباط الفقهي عند مدرسة السيد السيستاني، نجد أن المراهنة تصطدم بجدار "القمار" الذي حرمه القرآن الكريم بصريح العبارة. المراهنة الرياضية المعاصرة ليست مجرد تسلية عابرة، بل هي منظومة قائمة على "المغالحة" أو "المغالبة" بعوض مالي. يقرر الفقيه هنا أن تمليك المال من طرف لآخر بناءً على الصدفة أو التوقع دون جهد إنتاجي أو معاملة تجارية معتبرة هو نوع من أكل أموال الناس بالباطل.
إن الأصل في الأموال في الشريعة الإسلامية هي الحرمة، ولا تنتقل ملكية الدينار من جيبك إلى جيب غيرك إلا بمسوغ شرعي كالبيع أو الهبة أو الإجارة. أما في عالم المراهنات، فإن المال ينتقل عبر آلية "الرهان" التي تفتقر للغطاء الشرعي. يشدد السيد السيستاني على أن اشتراط "العوض" (المال) من الطرفين، بحيث يغنم الرابح ويغرم الخاسر، هو جوهر الميسر. وحتى لو كانت المراهنة عبر تطبيقات إلكترونية عالمية أو في مقاهٍ شعبية، فإن الحكم يظل ثابتاً لا يتزحزح بتغير الوسيلة أو التكنولوجيا المستخدمة في العصر الحديث.
الجدير بالذكر أن هذا التحريم لا يقتصر على المراهن فحسب، بل يمتد ليشمل المنظومة بأكملها. فالعمل في شركات المراهنات، أو الترويج لها، أو حتى توفير المساحات الإعلانية لها، يدخل في باب "الإعانة على الإثم والعدوان". فالفقاهة السيستانية تتعامل مع القمار كآفة اجتماعية واقتصادية تنخر في هيكل المجتمع، وليست مجرد مخالفة فردية معزولة.
تشريح آلية الرهان: لماذا يرفض الفقه منطق "التوقعات"؟
يحاول البعض الالتفاف على الحكم الشرعي عبر ادعاء أن المراهنة هي "تحليل فني" أو "توقع مبني على خبرة رياضية" وليس مجرد ضربة حظ. هنا يبرز الدهاء الفقهي للسيد السيستاني في كشف هذه المغالطات. فالخبرة في كرة القدم، مهما بلغت، لا تخرج العملية عن كونها مراهنة على مجهول بعوض مالي. الفقه لا يعترف بالخبرة كمسوغ لتحليل القمار؛ فالميسر في الجاهلية كان يتطلب أيضاً نوعاً من "المهارة" في ضرب القداح، ومع ذلك نزل التحريم الإلهي لينهي هذا العبث.
إن الركيزة الأساسية في "الرهان المحرم" هي وجود مخاطرة مالية (Risk) متمثلة في خسارة الرهان مقابل ربح متوقع. هذا النوع من العقود يسمى في الفقه "العقود الغررية" التي يشوبها الجهل والتدليس وعدم اليقين. السيد السيستاني، انطلاقاً من مبدأ الاحتياط الوجوبي في كثير من المسائل والفتوى الصريحة في مسألة القمار، يغلق الباب أمام ما يسمى "توقعات البريميرليغ" أو "الدوري الإسباني" التي تجتاح الهواتف الذكية. إن استغلال شغف الشباب بالرياضة لتحويلهم إلى مقامرين تحت مسميات "الجوائز الكبرى" هو فخ شيطاني يرفضه الوجدان الشرعي جملة وتفصيلاً.
علاوة على ذلك، فإن الأموال المكتسبة من هذه المراهنات تُعتبر "مجهولة المالك" في أحسن أحوالها، أو "محرمة بعينها" في أغلب الفروض. وهذا يعني أن المراهن لا يملك التصرف في هذه الأموال، ولا يجوز له الإنفاق منها على عياله أو التصدق بها بنية القربة، لأن "الله طيب لا يقبل إلا طيباً". الرؤية الفقهية هنا شمولية، تنظر إلى مآلات الأفعال وأثر المال الحرام على الروح والسلوك البشري.
التبعات العملية والواقع المعاصر للمراهنات الرياضية
في ظل طغيان الرأسمالية الرقمية، أصبح الوصول إلى مكاتب الرهان أسهل من شربة الماء، وهذا ما يستدعي استنفاراً شرعياً. يوضح مكتب السيد السيستاني في استفتاءات متعددة أن مجرد الدخول في هذه المواقع بنية الرهان، حتى لو لم يتم دفع مال بعد، هو شروع في محرم. أما إذا وقع الرهان وتم قبض المال، فإن الذمة لا تبرأ إلا بالتخلص من هذا المال وفق الضوابط الشرعية الدقيقة التي يحددها الفقيه.
الحرمة هنا ليست "تعبدية" بحتة لا يُعرف ملاكها، بل هي معللة بالفساد الاجتماعي والمالي. المراهنات الرياضية تؤدي إلى إفلاس العائلات، وتفكك الروابط الأسرية، ونشوء جيل يبحث عن "الثراء السريع" دون كدح أو عمل حقيقي. هذا الانحدار الأخلاقي هو ما تهدف الفتوى لحماية المجتمع منه. إن التزام المقلد بفتوى السيد السيستاني في هذا الصدد ليس مجرد طاعة عمياء، بل هو صمام أمان يحفظ للمؤمن طهارة ماله واستقرار حياته بعيداً عن أوهام الربح الزائف التي تنتهي دائماً بمرارة الخسارة والندم.
يجب التنبيه أيضاً إلى مسألة "المسابقات" التي تجريها بعض القنوات؛ فإذا كان الاشتراك يتطلب دفع مبلغ مالي (عبر الرسائل النصية مثلاً بسعر أعلى من المعتاد) للدخول في سحب على جائزة نتيجة توقع مباراة، فهذا يدخل أيضاً في دائرة الشبهة القوية والحرمة عند الكثير من المحققين، لأن حقيقة الأمر هي تجميع أموال المشاركين لتوزيع جزء منها كجائزة والباقي للمنظم، وهو عين القمار المحرم.
تنبيهات هامة ونصائح الخبراء حول المراهنات
عند البحث في المسائل الفقهية المتعلقة بالمال، يقع الكثيرون في أخطاء شائعة نتيجة الخلط بين المسابقات المشروعة والمراهنات المحرمة. من أبرز هذه الأخطاء الاعتقاد بأن تسمية المراهنة "توقعاً" أو "تحدياً" يغير من حكمها الشرعي؛ فالعبرة عند السيد السيستاني هي بجوهر المعاملة، فإذا وجد دفع للمال مقابل احتمال الربح أو الخسارة، دخلت المعاملة في دائرة القمار المحرم.
ينصح الخبراء بضرورة الحذر من المنصات الإلكترونية التي تروج للمراهنات الرياضية تحت مسميات "الاستثمار" أو "التداول الرياضي"، حيث إن هذه المنصات تعتمد كلياً على مبدأ الرهان. كما يجب التأكد من أن الجوائز في أي مسابقة لا يتم تمويلها من مساهمات المشاركين أنفسهم. لتجنب الوقوع في الحرام الشرعي، يفضل توجيه الوقت والجهد نحو الأنشطة الرياضية الفعلية أو الاستثمارات المالية الحقيقية القائمة على تبادل السلع والخدمات، والابتعاد عن كل ما يندرج تحت مفهوم "السبق والماية" الذي لم يرخص فيه الشارع إلا في موارد محدودة جداً ليس من ضمنها مراهنات كرة القدم الحديثة.
الأسئلة الشائعة حول حكم مراهنات المباريات
1. هل يجوز الرهان إذا كان بين الأصدقاء دون وجود شركة وسيطة؟
وفقاً لمباني السيد السيستاني، الرهان محرم بحد ذاته سواء كان مع جهات رسمية أو بين أفراد. اشتراط دفع مال من الخاسر للرابح يعد من القمار، ولا يجوز تملكه شرعاً، ويجب رد المال إلى صاحبه في حال وقوعه.
2. ما حكم المشاركة في مسابقات التوقعات المجانية التي تمنح جوائز؟
إذا كانت المشاركة مجانية تماماً (أي لا يدفع المشارك أي مبلغ مالي مقابل الدخول)، وكانت الجوائز تبرعاً من جهة خارجية أو من الشركة الراعية لغرض الدعاية، فلا مانع شرعي من ذلك، لأنها لا تندرج تحت عقد المراهنة أو القمار.
3. هل يحرم العمل في شركات برمجية تصمم تطبيقات المراهنات؟
العمل في إنتاج أو تطوير برامج مخصصة لعمليات القمار والمراهنة يعد من الإعانة على الإثم، والأموال المكتسبة من هذا العمل فيها إشكال شرعي كبير، حيث يرى الفقهاء ضرورة اجتناب المهن التي تساهم بشكل مباشر في ترويج المحرمات.
رأي المحرر الختامي
في الختام، يظهر جلياً أن موقف المكتب الشرعي للسيد السيستاني صارم تجاه المراهنات الرياضية بكافة أشكالها. إن الحفاظ على المال وصيانته من الشبهات هو جزء أساسي من الورع والالتزام الديني. المراهنات ليست وسيلة للكسب السريع كما يروج البعض، بل هي طريق يؤدي غالباً إلى خسائر مادية واجتماعية، فضلاً عن الحرمة الشرعية. نوصي دائماً بالرجوع إلى المصادر الرسمية للفتوى (مثل تطبيق سراج أو الموقع الرسمي للمرجعية) عند حدوث أي مستجدات في هذه المسائل المعاصرة لضمان براءة الذمة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.