رحمة الله وصفة أزلية لا تنفك عن ذاته الكريم

الله عز وجل وصف نفسه بالرحمة في كتابه العزيز، وجعلها صفة من صفات كماله، لا تُدرَك كنهها، ولا تُقاس بمقاييس البشر. فرحمة الله ليست شيئاً خلقه بعد، ولا شيئاً ينزله في أوقات معينة، بل هي صفة قديمة أزلية، لا تنفصل عن ذاته المقدسة. كما قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: 58]، فوصف نفسه بأنه "ذو الرحمة"، أي صاحب الرحمة التي لا تنفصم عنه.

البعض يظن أن الرحمة شيء يطلب نزوله أو يُرجى حدوثه، لكن الحقيقة غير ذلك. رحمة الله ليست حدثاً يحدث، بل هي قيِّم في ذاته تعالى، كما أن علمه وقدرته وعظمته صفات أزلية. فكل ما في الكون من نِعَم، من هواء، وماء، ونور، وحياة، هو مظهر من مظاهر هذه الرحمة الأزلية. حتى الكافر يعيش بفضل رحمته، ويتغذى بنِعمته، لا لأنه يستحقها، بل لأن الله الرحمن الرحيم، ورحمته سبقت غضبه.

ومن هنا، لا يصح أن نقول "اللهم أنزل رحمتك" كما لو أن الرحمة مخلوقة وعالقة في السماوات، بانتظار أن تنزل. بل نسأل الله أن يُوَسِّع علينا من رحمته، أو أن يُغشنا بظلال رحمته، لأن الرحمة موجودة أصلاً، لكننا نسأل أن نُشارك فيها، وأن نُدرك من فضلها ما ينفعنا في الدنيا والآخرة.

فلا تُدرَك الرحمة بضيق الفهم، ولا تُحصر بزمن أو مكان. هي أوسع من ذلك بكثير، لأنها تصدر عن من قال: إني مع الذين آمنوا، وهم في قلب المعاناة، لا لأنه اقترب منهم، بل لأنه لم يزل معهم برحمته التي لا تُحْصَى.

شاهد أيضاً

مقالات مفصلة

مواضيع ذات صلة