مقدمة في مفهوم كلام الله الأزلي
تعتبر مسألة كلام الله عز وجل من أعظم المباحث العقدية التي شغلت أذهان العلماء والمفكرين عبر التاريخ الإسلامي. لقد أجمعت سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن الكريم كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه صفة من صفات ذاته الفعلية والاختيارية التي لا تقبل الحدوث أو الاصطناع بالطريقة التي تخضع لها المخلوقات. تأتي هذه الدراسة المعمقة لتسليط الضوء على الأبعاد العقدية والفلسفية واللغوية التي تثبت أن كلام الخبار الباري سبحانه منزه عن مشابهة الحوادث، مستعرضين الأدلة النقلية والعقلية التي تذلل كل إشكال قد يتبادر إلى ذهن الباحث النبيه.
الجذور التاريخية لبروز المسألة وأثرها العقدي
شهد العصر العباسي تحولات فكرية كبرى رافقها ظهور فرق كلامية تأثرت بالفلسفات الوافدة، ومن أبرزها فرقة المعتزلة والجهمية التي نادت بالقول بخلق القرآن. لقد تبنى هؤلاء القول بأن كلام الله حادث ومخلوق، محتجين بشبهات عقلية وقاصرة تفترض أن كل ما سوى الله يجب أن يخضع لقانون الخلق والإيجاد بعد العدم. في المقابل، تصدى أئمة الهدى وعلمای الأمة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، لهذه البدعة بحزم وعزم، مبينين أن القول بخلق كلام الله يلزم منه تعطيل صفات الباري سبحانه، والقول بأن صفاته تتعرض للتغير والزوال، وهو ما يتعارض تماماً مع كمال الألوهية المطلقة التي تثبت لله عز وجل صفات الجلال والكمال بلا تشبيه ولا تعطيلاً.
الفرق الجوهري بين الخالق والمخلوق في النصوص الشرعية
عند تأمل آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، يلاحظ الباحث بوضوح تام أن الله سبحانه وتعالى قد فصل تمام الفصل بين عالم الخلق وعالم الأمر. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (ألا له الخلق والأمر)، فخص الخلق بالوجود المادي المحدث، وجعل الأمر عائداً إلى كلامه وصفاته التي صدرت عنه بلا كيف. هذا الفصل القاطع يمنع دمج المفاهيم أو قياس الخالق على المخلوقين. فالمخلوقات جميعا كالسماوات والأرض والجبال والإنسان قد خُلقت بكلمة "كن"، و"كن" هي صفة الكلام الإلهي الأزلية، فكيف يُعقل أن يكون الصانع بمثابة المصنوع؟ إن استقراء النصوص يؤكد يقيناً أن صفات الله جل جلاله قائمة بذاته، وهي غير مخلوقة، لأن القول بخلق صفة من صفات الله يستلزم افتقار الباري عز وجل لغيره، تعالى الله عما يصفون علواً كبيراً.
الدلالات اللغوية والعقلية لعدم خلق القرآن
من الناحية اللغوية والعقلية، فإن الكلام صفة متكلم، وإذا كان الله عز وجل لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، فإن كلامه دال على كماله وصفات فعله. العقل السليم يشهد بأن الكلام صفة كمال، والاتصاف بها أتم وأعظم من التعطل عنها. ولو كان القرآن مخلوقاً لانقطع اتصال الله بصفة التكلم زمناً قبل خلقه، أو للزم قياس الكلام الإلهي على كلام البشر المكون من حروف وأصوات تنفد وتفنى. إن الله سبحانه بكلماته تنهض السماوات والأرض، وتستقيم مصالح العباد، وهو المنزل على قلوب الأنبياء والمرسلين وحياً بيناً لا يشوبه شائبة النقص أو الحدوث المادي الذي يصيب الكائنات الحية والمصنوعات البشرية.
هل تجد أن التفريق بين الصفات الذاتية والفعلية يساهم في إنجلاء الغموض عن هذه المسألة العقدية الدقيقة؟
خاتمة المقال: دلالات صفة الكلام الإلهي وأثرها الاعتقدي
الخلاصة البرهانية والفرق بين الخالق والمخلوق
استكمالاً لما سبق بيانه من الأدلة العقلية والنقلية، يتبين أن القول بأن كلام الله عز وجل – ومنه القرآن الكريم – غير مخلوق هو الأصل الذي استقر عليه سلف الأمة وأئمتها. يعود ذلك إلى قاعدة عقدية راسخة مفادها أن الصفات تابعة للذات؛ فبما أن ذات الباري سبحانه وتعالى ليست مخلوقة، فكذلك صفاته الفعلية والذاتية، والكلام صفة كمال للمتكلم، ولا يجوز بحال أن يتصف الخالق بصفات المخلوقين من حدوث أو نقص.
"إن الله تبارك وتعالى استوى على عرشه، وتكلم بما شاء، وكلامه صفة له قائمة به، وليست شيئاً منفصلاً عنها يخلقه الله في غيره."
أدلة الفرق بين صفة الكلام والخلق
مفارقة الخلق والأمر: استدل العلماء بقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}؛ حيث عطف الله "الأمر" (الذي هو الكلام) على "الخلق"، والعطف يقتضي المغايرة، فدل على أن الكلام ليس مخلوقاً.
أداة الإيجاد: الكلام الإلهي هو الوسيلة التي أوجد بها المخلوقات، لقوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. ولو كان الكلام مخلوقاً لافتقر إلى كلام آخر، وهو تسلسل باطل عقلاً.
الفرق بين المكتوب والكاتب: يجب التفريق بدقة بين كلام الله المعنوي واللفظي المنزل، وبين أفعال العباد وأصواتهم ومصابيح المداد والورق؛ فالأول قديم النوع غير مخلوق، بينما أداة القراءة والكتابة البشرية مخلوقة.
الأثر الإيماني والتربوي لهذا الاعتقاد
إن إدراك المسلم لهذه المسألة يعزز من تعظيمه لكتاب الله تعالى، ويقينِه بأنه كلام ربه حقيقةً، منه بدأ وإليه يعود. هذا الفهم السليم يحصن العقل ضد الشبهات، ويحفظ التصور الإسلامي الصافي بعيداً عن التشبيه أو التطهير المذموم للنصوص.
هل ترغب في أن نوضح تفصيل أقوال الأئمة الأربعة حول هذه المسألة بالتفصيل؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.