يُعدّ موضوع كلام الله تعالى والقرآن الكريم من أهم المباحث العقدية والفلسفية في الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وقد نال حظاً وافراً من النقاشات والجدليات بين مختلف المدارس والمذاهب الإسلامية. وعند الحديث عن المدرسة الإمامية (الشيعة)، تبرز منظومة متكاملة من الرؤى والأطر الكلامية التي تؤسس لفهم دقيق لطبيعة الوحي الإلهي ومكانة القرآن الكريم.
1. الإقرار المطلق بأن القرآن كلام الله
تتفق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) اتفاقاً تاماً لا ريب فيه مع سائر المسلمين على أن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل منزلاً حقاً، وأنه الوحي المعصوم الذي أوحاه الله تعالى إلى خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة الروح الأمين جبريل (عليه السلام).
ولا يُعقل في الأصول الشيعية نفي هذه الصفة الإلهية الكبرى؛
2. المسألة العقدية: قِدم القرآن أم حدوثه؟
نشأ في التراث الإسلامي القديم جدل واسع حول مسألة "خلق القرآن" أو "قدمه"، وهي المحنة الشهيرة التي مرّت بها الأمة. وفي هذا السياق، تتبنى الشيعة الإمامية – متفقة في ذلك مع المعتزلة في أصل النتيجة ومخالفة للأشاعرة وأهل الحديث – رأياً واضحاً مفاده أن القرآن الكريم كلام الله حَدَث ومخلوق بمعنى التكوين الإلهي والإيجاد، ولكنه "غير مخلوق" بمعنى كونه جزءاً من الطبيعة المادية العادية، بل هو تنزيل إلهي صفةً وفعلاً.
ويستند علماء الشيعة في إثبات "حدوث" القرآن إلى أدلة عقلية ونقلية صريحة، منها قوله تعالى في سورة الأنبياء:
{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}
فالوصف بـ "المحدَث" ينافي تماماً القول بالقدم الأزلي.
«القرآن كلام الله محدَث، غير مخلوق، وغير أزليّ مع الله تعالى ذكره»
والمقصود بكونه "غير مخلوق" في بعض الروايات هو التحفظ من إطلاق القول بأنه مخلوق بالطريقة التي تؤدي إلى توهم كونه مخلوعاً عن الحكمة الإلهية أو مخلوقاً كباقي المخلوقات المادية المستقلة، بل هو فعل من أفعل الله سبحانه وصفة فعلية وليست صفة ذاتية أزلية.
هذا الفيديو يوضح تفاصيل إضافية حول النظرة الإسلامية الشيعية لمسألة خلق القرآن وكلام الله تعالى بالمقارنة مع المذاهب الأخرى.
الخاتمة والقول الفصل في عقيدة الإمامية
صفة الفعل لا صفة الذات
تؤكد المدرسة الإمامية أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ومنزلٌ من لدنه حقيقةً، وتستند في رؤيتها العقدية إلى أن صفة الكلام الإلهي تندرج ضمن صفات الفعل لا صفة الذات.
التنزيه المطلق:
إنّ الله عز وجل متكلمٌ بلا شك، وكلامه صادر عنه، ولكنه ليس قديماً أزلياً بمعزل عن ذاته تعالى لئلا يلزم تعدد القدماء، بل هو حادث بحدوث تعلقه بالمخلوقات ونزوله عبر الوحي. التفريق الاصطلاحي:
تجنب فقهاء الشيعة وعلمائهم إطلاق لفظ "مخلوق" بحرفيته على القرآن الكريم تفادياً للالتباس والإوهم بأنّه منحول أو مأخوذ من البشر، واعتمدوا التعبير المأثور عن الأئمة الأطهار بأنه "محدث غير مخلوق".
الأدلة القرآنية والعقلية
يعتمد علماء الإمامية في تقرير هذه العقيدة على محكمات التنزيل والعقل الصريح، ومن أبرزها:
دلالة الحدوث الزمني:
الاستدلال بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ}. فصفة الحدوث تنافي القدم الأزلي. الاستحالة العقلية:
لو كان القرآن قديماً لقامت محاذير عقلية وتاريخية كبرى، مثل لزوم الإخبار عن وقائع لم تحصل بعد في الأزل، وتوجيه الخطاب والأوامر للعدم قبل خلقه، وهو ما تنزه عنه الباري جل وعلا.
"القرآن كلام الله حقاً، وهو الدستور الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، محفوظاً بعناية الله سبحانه دون تغيير أو تبديل."
This video provides an explanatory discussion regarding the Shia perspective on the nature of the Quran and whether it is considered created or divine speech.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.