الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمر المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مقدمة تمهيدية وعرض لأهمية المسألة
تعتبر أحكام الطهارة والحيض من أهم المسائل الفقهية التي تهم المسلمة في حياتها اليومية، حيث ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعباداتها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. ومع التطور التقني الهائل وانتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي باتت تحتوي على المصاحف الرقمية وتطبيقات القرآن الكريم، تتساءل الكثير من النساء والفتيات عن حكم قراءة القرآن الكريم من هذه الأجهزة حال الحيض. وهل تأخذ أحكام المصحف الورقي التقليدي نفسه، أم أن لها حكماً فقهياً مغايراً ييسر على الحائض مراجعة حفظها أو تلاوة ما تيسر من كتاب الله تعالى؟
الاتفاق الفقهي العام حول قراءة الحائض للقرآن
قبل الخوض في تفاصيل القراءة من الجوال، لا بد من تأطير المسألة بأصلها الفقهي العام. فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم على مذاهب متعددة:
المذهب الحنفي والمالكي (في قول، والحنبلي): ذهب جمهور الفقهاء من الحنابلة والمالكية إلى حرمة قراءة الحائض للقرآن الكريم حال الحيض، استناداً إلى أدلة عامة وآثار عن بعض الصحابة تشبه الجنب بالحائض في منع قراءة القرآن حتى تطهر.
المذهب الشافعي: يرى الشافعية حرمة قراءة القرآن للحائض، إلا إذا كان بقصد الذكر أو التعلم أو الحفظ المؤقت الذي تخشى نسيانه، مع التفصيل في مسألة مس المصحف الورقي.
مذهب الإمام مالك في رواية، ورأي طائفة من السلف والتحقيق المعاصر: ذهب الإمام مالك في رواية, وجمع من أهل العلم كابن تيمية وغيرهم، إلى جواز قراءة الحائض للقرآن لحاجة ملحة، كخوف نسيان المحفوظ، أو التعليم، أو التعلم، لعدم وجود نص صريح وصحيح يمنع الحائض خصوصاً من القراءة، بخلاف الجنب الذي يمكنه الاغتسال متى شاء.
طبيعة المصحف الإلكتروني على الهواتف والأجهزة الذكية
للوصول إلى الحكم الدقيق المتعلق بالقراءة من الجوال، يجب فهم الكيفية التقنية التي يعمل بها القرآن الرقمي. فالجوال أو الجهاز اللوحي ليس "مصحفاً" بمعناه الشرعي المعتاد، بل هو شاشة تعرض نصوصاً رقمية مخزنة في الذاكرة، وتختفي هذه الحروف والكلمات بمجرد إغلاق التطبيق أو إطفاء الشاشة أو الانتقال إلى تطبيق آخر.
غياب أحكام المصحف الورقي: بناءً على ذلك، فإن الشاشة التي تعرض الآيات لا تأخذ حكم المصحف الورقي من حيث وجوب الطهارة لمسه، لأن الحروف المكتوبة على الشاشة ليست حبراً مستقراً على ورق، بل هي إشارات ضوئية متغيرة.
الجواز الفقهي العام: يستند المعاصرون في الفتوى بجواز قراءة القرآن من الجوال للحائض إلى أن المنع في المصحف الورقي يتعلق في الغالب بـ "مس المصحف" (استناداً لقوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون)، وبما أن الجوال يحتوي على برامج متعددة وليس مصحفاً خالصاً، فإن حرمة المس تنتفي عنه، وبالتالي تسهل القراءة منه.
آراء العلماء المعاصرين في قراءة الحائض من الجوال
تصدى المجامع الفقهية المعاصرة ودور الإفتاء الرسمية في العالم الإسلامي لهذه النازلة، وتوافقت آراء عدد كبير من المحققين المعاصرين على التيسير في هذا الباب، نظراً للحاجة الملحة عند النساء للمدارسة والحفظ والتدبر، ومن أبرز هذه التوجيهات:
جواز القراءة بلا مس مباشر للمصحف التقليدي: يرى المعاصرون أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم نظراً من المصحف الورقي بحائل (كارتداء قفازات) أو القراءة مباشرة من الشاشات الذكية، خروجاً من الخلاف الفقهي العريض بين العلماء.
حاجة الحفظ والمراجعة: إن منع الحائض طوال فترة حيضها (التي قد تمتد لأيام عدة) من قراءة القرآن قد يؤدي إلى تفلت الحفظ ونسيان ما أتمت حفظه من كتاب الله، وهنا تبرز الحاجة الماسة للرخصة الفقهية التي تجيز القراءة بلا مس للمصحف الورقي، وهو ما توفره الهواتف الذكية بكفاءة عالية.
الفرق بين القراءة عن ظهر قلب والقراءة من الشاشة: الشاشات تعتبر وسيلة عرض مؤقتة، وعليه فإن القراءة منها أقرب إلى القراءة عن ظهر قلب منها إلى مس المصحف المعتاد، مما يزيل الحرج عن المرأة الحائض في تلاوة أورادها اليومية.
تنبيه مهم: يرى جمهور المحققين المعاصرين أن القول بجواز قراءة القرآن للحائض مطلقاً -خصوصاً من الهواتف الذكية لمنع النسيان أو لحاجة التعليم- هو القول الأرجح دليلاً وروحاً للشريعة التي ترفع الحرج، طالما أن ذلك لا يتضمن امتهاناً لكلام الله عز وجل.
هل ترغب في أن أستكمل لك الجزء الثاني من هذه المقالة لنغطي تفاصيل أحكام لمس الشاشة وأدعية الحائض؟
الخلاصة والضوابط العملية للقراءة الإلكترونية
أدلة التيسير ومذهب الإمام مالك
يُعد الأخذ برأي الإمام مالك ومن توافق معه من أهل العلم مخرجاً فقهياً عظيماً للمرأة الحائض، لاسيما في زمن تتوفر فيه وسائل التكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا السياق، تبرز شاشة الهاتف المحمول أو الأجهزة اللوحية كحل وسط ومثالي يجمع بين تعظيم النصوص الشرعية وعدم حرمان المسلمة من أجر التلاوة.
الفارق الفقهي بين المصحف الورقي والشاشة الرقمية
من الناحية الفقهية البحتة، لا يأخذ الهاتف المحمول أو الحاسوب حكم المصحف الورقي المطبوع؛
طبيعة الحروف:
الحروف الظاهرة على شاشة الجوال ليست مداداً مستقراً على ورق مخصص للمصحف، بل هي إشارات ضوئية متغيرة تزول بإطفاء الشاشة. تعدد المحتويات:
الجهاز لا يقتصر على القرآن وحده، بل يحوي برامج متنوعة ورسائل نصية وتطبيقات أخرى، فلا يصدق عليه اسم "المصحف" لا لغة ولا عرفاً فقهياً تقليدياً. عدم جواز المس المباشر للمصحف الورقي:
اتفاق العلماء على منع الحائض من مس المصحف الورقي بغير حائل معلل باحترام الكتاب العزيز، بينما شاشة الهاتف تتيح القراءة دون ملامسة أوراق المصحف المعظمة.
نصائح وتوجيهات عملية للمرأة الحائض
نية الاستذكار والحفظ: يجوز للمرأة استئناف وردها اليومي وقراءة ما تيسر من السور بقصد الحفظ أو المراجعة أو التدبر دون حرج.
الاستماع البديل:
إن وجدت المرأة حرجاً أو أرادت الاحتياط الشديد، فيمكنها الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم بصوت القراء، وهو أمر جائز بلا خلاف. التحرز من الامتهان:
ينبغي التعامل مع الهاتف المحمول حال ظهور الآيات بحرص واهتمام يليق بقدسية كلام الله تعالى، وعدم وضعه في أماكن غير لائقة أثناء تشغيل المصحف الرقمي عليه.
خلاصة القول: إن باب الرحمة والتيسير واسع في الشريعة الإسلامية، والاستعانة بالتقنيات الحديثة كالجوالات ترفع الحرج عن النساء في فترة الحيض لضمان استمرار صلتهن بكتاب الله عز وجل.
هل ترغب في معرفة حكم قراءة أجزاء معينة مثل أذكار الصباح والمساء المشتملة على آيات قرآنية أثناء فترة الحيض؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.