مقدمة تمهيدية وأهمية المسألة الفقهية
تُعد صلاة المسلم الركن العظيم الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به. ولما كانت الصلاة توقيفية المبنى والأحكام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث أمته على أخذ صفة أديانهم وأصل صلواتهم عنه، فقال صريحاً: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وفي باب الأذكار والسنن الواردة عند الرفع من الركوع، تبرز مسألة دقيقة طالما دار حولها البحث والنقاش بين طلاب العلم والمصلين، وهي المتعلقة بالفصل والجمع بين أذكار القيام بعد الركوع لكل من الإمام والمأموم والمنفرد.
المفصل بين الإمام والمأموم في أذكار الرفع من الركوع
لتحقيق الإجابة بدقة، يجب أولاً تحرير محل النزاع وتوضيح السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الرفع من الركوع.
من هنا انطلق الأصوليون والفقهاء في تفصيل صفة الذكر لكل مصلٍ بحسب حاله في الجماعة، وقد لخص العلامة ابن عثيمين رحمه الله هذه القسمة الثلاثية بياناً وتوضيحاً في شروحه المختلفة (مثل الشرح الممتع على زاد المستقنع وفتاوى الحرم المكي):
الإمام والمنفرد:
يبدآن بالقول حال الرفع: "سمع الله لمن حمده"، ثم يأتيان بـ "ربنا ولك الحمد" (وما ورد بعدها من زيادات صحيحة) بعد الاستتمام قياماً. المأموم:
يقتصر حال رفعه على قول: "ربنا ولك الحمد" أو ما يفرع عنها من صيغ صحيحة ثابتة.
الموقف الحاسم للعلامة ابن عثيمين من قول الإمام "ربنا ولك الحمد"
يقرر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بناءً على الأدلة الشرعية أن الإمام يجمع بين الأمرين؛
وقد وضح الشيخ في مجالس "الباب المفتوح" وفي دروس الحرم أن الأخطاء الشائعة أو الأقوال الضعيفة التي تزعم أن الإمام يقتصر على "سمع الله لمن حمده" فقط ولا يقول "ربنا ولك الحمد" هي أقوال مرجوحة ومخالفة لظاهر السنة المتواترة العمليّة. فدليل النبي صلى الله عليه وسلم العام والخاص يشمل الإمام والمنفرد في الجمع بين التسْميع والتحديد (أي التسميع والتحميد)، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك بنفسه وهو الإمام الأعظم بالمسلمين.
وفي الجزء القادم من هذا المقال، سنفصل الألفاظ الواردة في "ربنا ولك الحمد" وصيغها الأربع الصحيحة كما حررها ابن عثيمين، وحكم جمع المأموم بين التسميع والتحميد.
الحكم التفصيلي للإمام والجمع بين الذكرين
يُبيّن العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في تفصيل هذه المسألة الفقهية أن الإمام يجمع بين الأمرين معاً؛
صفات الذكر الواردة عن النبي ﷺ
أكد ابن عثيمين أن الألفاظ الواردة في الرفع والتحميد تنقسم إلى أربع صفات رئيسية ينبغي للمصلي أن ينوّع فيها اقتداءً بالسنة النبوية الصحيحة، وهي:
رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ
رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ
اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ
اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ
ملاحظة فقهية هامة: نبه الشيخ ابن عثيمين إلى أن زيادة لفظة "والشكر" (مثل: ربنا ولك الحمد والشكر) لم تثبت على وجه المشروعية في هذا المقام، والأولى تركها والاقتصار على ما ورد في السنة الثابتة.
الخلاصة المنهجية
خلاصة القول عند ابن عثيمين هي أن الإمام والمنفرد يقولان "سمع الله لمن حمده" عند الرفع، ثم يقولان "ربنا ولك الحمد" بعد الاعتدال، بينما يقتصر المأموم على قول "ربنا ولك الحمد" فقط ولا يشرع له الجهر أو الإتيان بلفظ "سمع الله لمن حمده" على القول الراجح محققاً بذلك كمال الاتباع والتوزيع الدقيق لأذكار الصلاة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.