المحتويات
مقدمة مفتاحية حول شعيرة الصلاة
تُعد الصلاة عماد الدين وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلة الوثيقة التي تربط العبد بربه جل وعلا. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على تعليم امتثال هذه العبادة بكل دق قاتها وأحكامها، فقد وردت السنة النبوية المطهرة مبينة لهيئة الصلاة قولاً وفعلاً، من لحظة الاستفتاح وحتى التسليم. ومن أبرز المسائل التي شغلت أبهام الفقهاء والمحدثين على مر العصور، مسألة الهيئات المسنونة أثناء الانتقال بين أركان الصلاة، وعلى رأسها: حكم رفع اليدين في تكبيرات الانتقال؛ هل هو فرض، أم سنة مستحبة، أم مكروه، وما هي تفاصيل آراء المذاهب الأربعة في ذلك؟
المفهوم الشرعي لتكبيرات الانتقال ومواضعها
قبل الخوض في تفاصيل الحكم الفقهي لرفع اليدين، لا بد من تحرير المفهوم وضبطه بدقة. يُقصد بتكبيرات الانتقال تلك الألفاظ المخصوصة (قول: الله أكبر) التي ينتقل بها المصلي من ركن إلى ركن آخر داخل الصلاة، كالانتقال من القيام إلى الركوع، أو من الركوع إلى الرفع منه، أو من الهوي إلى السجود، والنهوض للركعة الثانية أو الثالثة.
وقد اتفق العلماء إجمالاً على أن تكبيرات الانتقال في الجملة هي سنة مؤكدة (أو واجبة عند الحنابلة في تفصيل معروف)، ولكن الخلاف يتجسد بوضوح حين نتحدث عن حركة رفع اليدين هل ترافق كل تكبيرة من هذه التكبيرات أم تختص بمواضع محددة؟
أدلة السنة النبوية ومواضع الرفع الثابتة
فصلت السنة النبوية الصحيحة المواضع التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع فيها يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه. وقد استقر الإجماع أو الجمهور على ثبوت رفع اليدين في ثلاثة مواضع رئيسية (تضاف إليها تكبيرة الإحرام):
عند تكبيرة الإحرام: للدخول في الصلاة، وهو ركن متفق عليه لا خلاف في سنيته.
عند الركوع: حين يهم المصلي بالهوي للركوع.
عند الرفع من الركوع (الاعتدال): حين يقول: "سمع الله لمن حمده".
عند القيام من التشهد الأوسط: للركوع الثالث (في الصلاة الرباعية أو الثلاثية).
يستند الجمهور في ذلك إلى حديث سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا كركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده» (متفق عليه).
اختلاف المذاهب الفقهية في تفصيل المسألة
تفرقت آراء الأئمة المجتهدين في مدى مشروعية استمرار رفع اليدين مع كل تكبيرة انتقال أو اقتصاره على مواضع معينة، ويمكن إبراز ذلك في المدارس الفقهية الكبرى:
المذهب الشافعي والحنبلي وجمهور المحدثين: يرون استحباب رفع اليدين مع كل تكبيرة خفض ورفع (أي عند الركوع، والرفع منه، وعند السجود وعند القيام للتشهد)، أخذاً بعموم الأحاديث الواردة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقاً لحديث مالك بن الحويرث وغيره.
المذهب المالكي: يرى أن رفع اليدين لا يكون إلا في تكبيرة الإحرام فقط، وما عداها من تكبيرات الانتقال فلا يُسن فيها رفع اليدين، مستندين إلى الآثار الواردة عن بعض الصحابة والعمل الموروث في المدينة المنورة.
المذهب الحنيفي: يرى أن الرفع يختص بتكبيرة الإحرام، وكذلك عند القنوت أو في مواضع تخص تكبيرات العيدين، بينما في تكبيرات الانتقال العادية يكون الاقتصار على التلفظ بالتكبير دون رفع اليدين.
إليك القسم الثاني والأخير من المقال الخبراء حول حكم رفع اليدين في تكبيرات الانتقال، مصاغاً بلغة فقهية دقيقة ومنظمة:
أدلة المذاهب وتوجيه الأقوال في تكبيرات الانتقال
1. مذهب الجمهور (الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية والمالكية)
ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب رفع اليدين عند كل تكبيرة انتقال (للركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول). واستندوا في ذلك إلى أحاديث صحيحة صريحة وردت عن الصحابة الكرام، أبرزها ما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً.
هذا الحديث وغيره من الروايات (مثل حديث مالك بن الحويرث) تفيد تواتر السنة القولية والفعلية في المواطن الأربعة الصلاة، وهي: عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للركعة الثالثة من التشهد الأوسط.
2. مذهب الحنفية والقول المعتمد عند المالكية
يرى الأحناف أن رفع اليدين مستحب أو مسنون فقط عند تكبيرة الإحرام، ولا يشرع في تكبيرات الانتقال (كالركوع والسجود والرفع منها)، واستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة".
أما المالكية، فيرون المشهور في مذهبهم كراهة رفع اليدين في الانتقالات (عدا تكبيرة الإحرام)، محملين أدلة الرفع على النسخ أو الخصوصية، معتبرين الاقتصار على الترك هو المتبع عندهم في عمل أهل المدينة.
الخلاصة والتوجيه الوسطي
بعد استعراض أدلة الفريقين، يتبين أن المسألة من مسائل الخلاف السائغ الذي ينبغي فيه توسيع الصدر وعدم التنازع؛ فالقائلون بالرفع يتمسكون بصريح السنة الصحيحة المتواترة في الصحاح، والقائلون بالترك لهم مستندهم من الآثار الواردة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
نصيحة فقهية: الأفضل للمسلم إحياء السنة والعمل بالحديث الصحيح الصريح إن تيسر له ذلك، ففعل السنة أولى وأجرها أعظم. وفي الوقت نفسه، ينبغي الحذر من إثارة الخلافات أو الإنكار بين المصلين في المسجد الواحد، فصلاتهم جميعاً صحيحة ومقبولة بإذن الله تعالى، فالدين يسر والسعة في الخلاف فسيحة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.