الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصبحت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي مرافقنا الدائم في حلنا وترحالنا. ولا يكاد يخلُوَ هاتف ذكي اليوم من آلاف الصور الشخصية والعائلية وصور المناظر الطبيعية والذكريات، فضلاً عن مقاطع الفيديو المتنوعة. ومع هذا الانتشار الواسع لتقنية التصوير الرقمي، يتجدد التساؤل الفقهي لدى الكثيرين حول حكم التقاط الصور والاحتفاظ بها في الجوال، وما يترتب على ذلك من أحكام شرعية تتعلق بالتصوير الفوتوغرافي الرقمي مقارنة بالتصوير اليدوي التقليدي.
الأصل التاريخي والخلفية الشرعية لمسألة التصوير
لقد حظيت مسألة التصوير بمكانة هامة وبحث دقيق في كتب الفقه الإسلامي عبر العصور، نظراً لتعلقها بأصول التوحيد وسد ذرائع الشرك ومضاهاة خلق الله تعالى.
1. الأدلة الواردة في السنة النبوية
وردت أحاديث صحيحة عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم تنهى عن التصوير وتشدد فيه، ومنها ما أخرجه الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة". وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
2. العلة والمناط في التحريم
بين أهل العلم أن العلة الأساسية في تحريم التصوير اليدوي (كالرسم والنحت) في العصور السابقة هي مضاهاة خلق الله تعالى، ومضاهاتهم لمن كانوا يعبدون الأصنام والأبراج والتماثيل من دون الله. وكان التصوير في ذلك الوقت يحتاج إلى جهد وعمل يدوي يقصد منه الفنان مضاهاة صنع الله عز وجل.
3. التحول المعاصر وظهور التصوير الرقمي
مع تطور العصر الحديث، ظهرت آلات التصوير الفسيوغرافي (الكاميرات)، ثم تطورت إلى التصوير الرقمي (Digital Photography) الموجود في الهواتف المحمولة والكاميرات الحديثة. وقد اختلف المعاصرون في تكييف هذه التقنية الجديدة؛ فمنهم من ألحقها بالتصوير المحرم بإطلاق، ومنهم من فرق بين التصوير اليدوي والتصوير الفوتوغرافي الرقمي بناءً على اختلاف العلة والواقع، إذ إن الصورة في الجوال ليس فيها مضاهاة لخلق الله ولا نحت ولا رسم، بل هي مجرد حبس للظل أو انعكاس للضوء عبر عدسات رقمية تشبه النظر في المرآة.
وفي ختام هذا البحث الفقهي حول حكم الصور الفوتوغرافية الموجودة في أجهزة الهواتف الذكية، يمكننا إيرجال الخلاصات التأصيلية التي توافق مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة. إن المعاصرة والتطور الهائل في وسائل التقنية الحديثة جعلا من الصورة الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بل وضرورة عملية ومهنية لا غنى عنها في مجالات التعليم، والتواصل، والتوثيق الرسمي والأمني.
ولقد أجمع جمهور المعاصرين من أهل العلم والفتوى على أن الصور الرقمية المحفوظة في ذاكرة الهواتف أو الحواسيب، والتي لا تتم طباعتها على الورق أو تعليقها على الجدران، لا تأخذ حكم الصور المحرمة المنصوص عليها في الأحاديث الشريفة، بشرط أساسي وهو خلوها من المحاذير الشرعية. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه الصور مجرد نبضات إلكترونية أو أرقام وتشفيرات (Pixels) تزول بمجرد الضغط على زر الحذف، ولا تشكل جسماً مادياً مجسماً ولا تمثالاً يحاكي خلق الله تعالى بغرض المضاهاة.
ومن هذا المنطلق، فإن تصوير الإنسان أو المناظر الطبيعية للأغراض المباحة، كالتوثيق الشخصي الذكري، أو التعليم، أو حفظ الذكريات العائلية الطاهرة، هو أمر جائز شرعاً ولا حرج فيه بإذن الله. غير أن دائرة الإباحة هذه تقيدها ضوابط صارمة يجب على المسلم مراعاتها، ومن أبرزها:
- اجتناب المحرمات: ألا تحتوي الصور على عورات مكشوفة، أو مشاهد خادشة للحياء، أو تبرج محرم.
- مراعاة الخصوصية: عدم تصوير الآخرين أو نشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي دون إذنهم الصريح، لما في ذلك من انتهاك للخصوصية وستر المسلمين.
- النية والقصد: ألا يكون الغرض من التقاط الصور أو تداولها التفاخر المذموم، أو السخرية من الآخرين، أو نشر الفتن والرذيلة.
- المحتوى المخل: تجنب حفظ أو تداول الصور التي تعظم غير الله أو تروج لعقائد باطلة.
وخلاصة القول؛ إن الهاتف المحمول وسيلة طائعة تبنى أحكامها على كيفية الاستخدام. فإن استُعمل فيما يرضي الله تعالى، وحُفظ فيه ما ينفع العبد في دينه ودنياه مع التزام الآداب الشرعية، كان ذلك مباحاً بل ومستحباً إذا أدى مصلحة معتبرة. وإن استُعمل فيما يغضب الله من انتهاك الأعراض ونشر الفحش، تحول إلى وبال على صاحبه. لذا، فإن التقوى ومراقبة الله عز وجل هما الميزان الحقيقي في التعامل مع هذه التقنيات المعاصرة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.