المحتويات
مقدمة تاريخية وفقهية
تُعدّ حادثة وفاته واحتضانه في مثواه الأخير صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة رُزئت بها الأمة الإسلامية على مدار تاريخها. فقد مثّل رحيله انتقالاً لجوار ربه الأعلى بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة.
ولما كان أمر تجهيز نبي الإسلام ودفنه يتطلب عناية دقيقة وخصوصية بالغة تليق بمقامه الشريف، فقد تكاتف أهل بيت النصح والقرابة المقربون وعدد من خاصّة أصحابه ليتولوا بأنفسهم هذه المهمة الجليلة التي وثّقتها كتب السيرة النبوية وكتب الحديث الشريف بأدق التفاصيل.
تحديد مكان الدفن وحسم الخلاف
قبل الشروع الفعلي في عملية الدفن، برز نقاش بين الصحابة الكرام حول المكان الأنسب لدفن جسده الطاهر؛ هل يُدفن في البقيع مع أصحابه، أم في مسجده الشريف، أم في مكان آخر؟
حسم الخليفة الأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- هذا الخلاف بحزم وعلم، حين رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «ما قُبض نبيّ إلا يُدفن حيث يُقبض».
وعليه، تم رفع الفراش الذي توفي عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحُفر له القبر في نفس الموضع تماماً تحته.
حفر القبر وتجهيز اللحد
تولى عملية حفر القبر الشريف وتجهيز اللحد الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري -رضي الله عنه-، وكان معروفاً بحفر الأضرحة بالطريقة اللحْديّة التي تُناسب بيئة المدينة المنورة وأرضها.
وقد رُوي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الذي ألحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو طلحة، بينما تولى شقران (مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم) إلقاء القطيفة الحمراء تحت النبي في قبره بناءً على طلبه أو تبركاً، إذ كانت الأرض ندية.
الأسماء المباركة لمن نزلوا إلى القبر وتولوا الدفن
اتفق المؤرخون وأهل السيرة على أن الذين نزلوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وباشروا إنزاله وتوسيد جسده الشريف هم مجموعة من أهله وخاصته:
العباس بن عبد المطلب (عمه).
علي بن أبي طالب (ابن عمه وصهره).
الفضل بن العباس (ابن عمه).
قثم بن العباس (ابن عمه).
أسامة بن زيد.
شقران (مولاه).
وذكر بعض المؤرخين أيضاً مشاركة عبد الرحمن بن عوف في بعض الترتيبات أو الإعانة العامة.
ملاحظة تاريخية: لقد قام هؤلاء النفر الكرام بإنزال الجسد الشريف برفق تام، وتولى علي بن أبي طالب والعباس وبقية الآل تقليب الجسد الشريف وتوجيهه نحو القبلة، لتنتهي بذلك أطهر مراسيم وداع لخير البشرية جمعاء، وسط مشاعر جياشة من الحزن والسكينة غشيت قلوب آل البيت والصحابة الأجلاء.
تفاصيل اللحظات الأخيرة وحفر اللحد
بعد أن حُسم أمر مكان الدفن في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بناءً على حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «ما قُبض نبي إلا يُدفن حيث يُقبض»، توجه الصحابة الكرام لتجهيز القبر الشريف.
حافر القبر والداخلون إلى اللحد
تولى حفر القبر الشريف الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، وكان معروفا بلحد الموتى (الحفر بالطريقة اللحدية الشائعة في المدينة المنورة آنذاك). أما الذي تولى النزول إلى القبر الشريف لإنجاز عملية الدفن وتسوية اللحد، فقد شارك فيها عدد من آل البيت الأطهار والمقربين، وهم:
علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
العباس بن عبد المطلب عمه رضي الله عنه.
الضلعان الفضل وقثم ابنا العباس رضي الله عنهما.
أسامة بن زيد وشُقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وُضع تحت النبي صلى الله عليه وسلم في قبره قطيفة حمراء كان يلبسها، كما فُرش له اللحد بعناية فائقة.
وداع الأهل والأصحاب
سُجِّلت تلك اللحظات بمداد من الحزن والدموع في كتب السيرة؛ إذ قامت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ترثي أبوها النبي الأعظم بكلمات مؤثرة تعبر عن لوعتها وفقدها العظيم، قائلة في مشهد أبكى الصحابة: «يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!».
تم إيلاد اللحد وإغلاقه باللبن (الطوب غير النيئ) وإلصاق التراب عليه فوق فراشه الطاهر، ثم رُشّ القبر بالماء من قِبل بلال بن رباح رضي الله عنه لتثبيت التراب، لتنتهي بذلك رحلة المصطفى صلى الله عليه وسلم الدنيوية ويبقي أثره الخالد في قلوب الأمة إلى يوم الدين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.