هل مات النبي مريضا؟

مقدمة في السيرة النبوية والتأريخ الصحي

تُعد السيرة العطرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم المصدر الأساسي والأكثر موثوقية لدراسة تفاصيل حياته اليومية، وصولاً إلى أيامه الأخيرة. وعند طرح السؤال التاريخي والعقدي: "هل مات النبي مريضا؟"، فإن الإجابة العلمية والمستندة إلى النصوص الصحيحة والآثار الثابتة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه صلى الله عليه وسلم قد توفي إثر مرض عارض ألمّ به واستمر معه لفترة زمنية محددة، تضافرت فيها أعراض جسدية متعددة بين الحمى الشديدة، والصداع، وتأثيرات السم القديم. لا يُقلل هذا المرض من مكانته العالية، بل يندرج ضمن البشرية التي اصطفاه الله تعالى فيها ليبلغ مبلغه العظيم، مصداقاً لقوله تعالى في محكم التنزيل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.

البدايات الأولى للمرض وأعراضه الأولى

تذكر كتب السيرة وصحيح الإمام البخاري ومصنفات الحديث أن ابتداء مرض النبي صلى الله عليه وسلم كان في أواخر شهر صفر وبداية شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة. تشير الروايات الصحيحة، ولا سيما ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يشعر بالوعكة والصداع الشديد أثناء عودته من مقبرة البقيع بعد تشييع جنازة، حيث كان يدور على بيوت نسائه.

دخل بيت عائشة رضي الله عنها وهو يشتكي من صداع قوي في رأسه، حتى إنه كان يقول بصوت ينم عن شدة الوجع: "وارأساه". وقد وافقته عائشة رضي الله عنها بعبارة تشاطره فيها الألم من شدة تأثرها، فقالت قائلة: "وإوراأساة"، فلما سمعها قال بلطفه المعتاد: "بل أنا وراأساه"، ثم استمرا في تداول الحديث حول مرضه الذي تطور تدريجياً من مجرد صداع عارض إلى حمى واضحة أثرت على طاقته البدنية بشكل ملحوظ.

طبيعة الحمى الشديدة وتأثيرها على الجسد الشريف

لم يقتصر المرض على الصداع فحسب، بل تطور سريعاً ليصاحبه ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة أو ما يُعرف بـ "الحمى". وقد نقل المحدثون أن الحمى كانت شديدة لدرجة أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يلاحظون أثرها الظاهر على وجهه الشريف وجسده، حتى إنهم وجدوا حرارة المرض العالية حين اقتربوا منه.

كان هذا المرض يتناوب عليه بالشدة والخفة خلال الأيام التي سبقت وفاته، والتي قدرها جمهور المحققين والمؤرخين بثلاثة عشر يوماً تقريباً (وقيل عشرة أيام في روايات أخرى). وفي خضم هذا المرض المبرح، كان صلى الله عليه وسلم يحرص قدر استطاعته على الخروج للصلاة بالناس، فلما اشتد به الكرب وثقل عليه المرض، أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليؤم الناس بالمسجد، في مشاهد تاريخية ناطقة تعكس مدى إخلاصه لرسالته حتى في لحظات الاحتضار والمرض الشديد.

الخاتمة واللحظات الأخيرة في بيت عائشة

لقد تواترت الروايات الصحيحة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ودلائل السيرة النبوية، على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نابه المرض الشديد في أواخر أيامه، والذي تمثل في الحمى الشديدة والصداع المبرح. وقد ظهرت أعراض هذا المرض العارض حين بدأ يشتكي من رأسه الشريف قائلًا: "وارأساه". إلى جانب ذلك، ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاوده أثر الشاة المسمومة التي أكلها بخيبر، حتى إنه كان يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم".

وبجمع الروايات التحليلية والتاريخية، فإن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت بجمعٍ بين أثر السم القديم الذي أذن الله أن ينال منه مبلغاً عظيماً لتكتمل له مرتبة الشهادة بجانب النبوة، وبين الحمى الشديدة التي أصابته في طهوره الأخير. وفي غمرة هذه الشدة، أظهر الله عز وجل عظم صبره وثباته، حيث كان يُخير بين بقاء الدنيا وخزائنها أو لقاء الله عز وجل، فاختار بلسان حاله ومقاله: "الرفيق الأعلى".

ولم تكن سكرات الموت تخلو من العبر العظيمة؛ إذ روت عائشة رضي الله عنها أنه كان بين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات". وحين دنت لحظة الفراق الكبرى، وقبض في بيت عائشة بين سحرها ونحرها، واستاك بالسواك الذي أحضره عبد الرحمن بن أبي بكر، رفعت يده المباركة نحو السماء وتلفظ بكلماته الأخيرة المتصلة بالملأ الأعلى: "اللهم في الرفيق الأعلى"، لترتفع روح الطهر والصفاء إلى بارئها، معلنة تمام الرسالة وأداء الأمانة، وتظل سيرته العطرة ومرضه المبارك درساً في الرضا والتسليم لمنهج الله حتى آخر أنفاس الحياة.