مدخل إلى إشكالية كلام الله: هل القرآن قديم أم محدث؟
مقدمة تاريخية وفكرية
شهد الفكر الإسلامي عبر تاريخه الطويل العديد من النقاشات العقدية العميقة التي سعت لضبط مفاهيم التوحيد وتنزيه الذات الإلهية عن كل نقص أو مشابهة للمخلوقات. وتأتي في طليعة هذه المسائل وأكثرها دقة وحساسية قضية "كلام الله تعالى"، وتحديدا الإشكالية الكبرى المرتبطة بالقرآن الكريم: هل هو صفة قديمة أزلية قائمة بذات الله، أم أنه أمر حادث أو محدث مرتبط بمشيئة الله وخلقه؟
لقد تجاوزت هذه المسألة الحدود الفلسفية البحتة لتتحول في العصر العباسي إلى محنة فكريّة وسياسية كبرى عُرفت بـ "محنة خلق القرآن"، تداخلت فيها السياسة بالعقيدة، وبرزت على إثرها مدارس كلامية متعددة، مثل المعتزلة والجهمية وأهل السنة والجماعة، حيث قدمت كل فرقة رؤيتها وتأصيلاتها الاستدلالية المرتكزة على نصوص القرآن والسنة وقواعد العقل.
جذور النزاع الفكري وموقف أهل السنة والجماعة
تمحور الخلاف الأساسي حول طبيعة العلاقة بين صفة الكلام الإلهي وبين أفعال الله الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
ويرى المحققون من أهل العلم أن إطلاق وصف "القدم" أو "الحدوث" على القرآن يحتاج إلى تفصيل دقيق لرفع اللبس ودفع التناقض المظنون في الألفاظ:
من حيث الجنس والنوع: يُنظر إلى صفة الكلام على أنها صفة ذات أزلية، فالله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء وكيف شاء؛
فجنس الكلام قديم. من حيث الآحاد والأفراد:
إن الكلمات والخطابات المعينة المتعلقة بمشيئة الله وحكمته الحادثة -كندائه لموسى أو إنزال سورة معينة في وقت محدد- تتعلق بها الإرادة الإلهية بحسب الأحوال، فهي تسمى باعتبار الإنزال أو التحدث "حادثة أو محدثة" بمعنى أن الله تكلم بها وقدرها في وقتها المناسب.
وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة التحقيق هذا المعنى بأن السلف لم يطلقوا عبارة "القرآن قديم" بإطلاقها المجمل الذي قد يوهم تعطيل المشيئة الإلهية، بل قالوا: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ولم يزل الله متكلماً إذا شاء".
موقف المعتزلة والفرق المخالفة
في المقابل، تبنت فرقة المعتزلة ومن وافقهم موقفاً معاكساً تماماً من منطلق الحرص المبالغ فيه بنظرهم على تنزيه الله عن مشابهة الحوادث.
وحجتهم في ذلك أن قيام الكلام بحب الذات الإلهية يقتضي -في تصورهم- حلول الحوادث في الذات، وهو ما اعتبروه محالاً في حق الواجب الوجود.
ما هي الجوانب الأخرى من هذه المناظرة التاريخية التي تود التعرف على تفاصيلها في الجزء القادم من المقال؟
الخاتمة وخلاصة الموقف العقدي
موقف أهل السنة والجماعة
اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه سبحانه وتعالى متكلم بصفة ذاته وفعلة.
التفصيل بين النوع والآحاد
من حيث الجنس والنوع (القدم): يُقصد به أن صفة الكلام لله سبحانه وتعالى قديمة لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء، فالله عز وجل لم تزل صفة الكلام طاتّسفاً له، وليست صفة حادثة طرأت عليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
من حيث الآحاد والتعيين (الحدوث):
إن نفس الحروف والأصوات والكلمات المعينة للقرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، تكلم الله بها بحسب مشيئته وقدرته وقتما شاء، وهو ما يُعرف بـ (حادث الآحاد)، أي أن الله نطق به بحسب الإرادة الإلهية والحكمة المرتبطة بالنزول والتنزيل.
وعليه، فإن القرآن الكريم باعتبار أصله وجنسه مضاف إلى صفات ذات الله القديمة، وباعتبار تعيينه وتنزيله متعلق بمشيئته سبحانه واختياره.
لماذا رفض السلف هذه الألفاظ المبتدعة؟
ابتعد المحققون عن الاصطلاحات الفلسفية البحتة مثل وصف القرآن بالقديم مطلقاً أو المحدث مطلقاً، لأن لفظ "محدث" قد يفهم منه الجهمية والمعتزلة معنى الخلق والتبعيض، بينما لفظ "القديم المطلق" قد ينفي تعلق الكلام بالمشيئة والاختيار.
لذلك، كانت عبارة السلف الواضحة والمستقرة هي: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود"، وبهذا تزول الشبهة ويجتمع الإيمان بكمال الله وعظمته وقبح التعطيل والتشبيه.
هل ترغب في توضيح المزيد حول الفرق بين المدارس الكلامية المختلفة في هذه المسألة؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.