أين هو الله عند الشيعة؟

تُعدّ مسألة معرفة الباري عز وجل وتحديد صفاته ومرتبة وجوده من أعمق المسائل وأدقها في الفكر الإسلامي عامة، وعند مدرسة أهل البيت (الإمامية الاثنا عشرية) خاصة. وتبرز الإشكالية الكبرى لدى الباحثين في تساؤل متكرر: أين الله؟ وكيف تتصور العقيدة الشيعية حضور الخالق سبحانه وتعالى في هذا الكون؟ هل هو حالّ في الأماكن، أم محدد بجهة معينة كالعرش، أم منزه عن الحيز والمكان مطلقاً؟

أولاً: قاعدة التنزيه المطلق ونفي المكان والجهة

تتأسس العقيدة الشيعية في الإلهيات، استناداً إلى القرآن الكريم وما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، على أصل محكم وهو التنزيه المطلق لله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات أو الاتصاف بصفات الأجسام.

  • الله خالق الأين والزمان: يرى متكلمو الإمامية وفلاسفتهم أن الله عز وجل هو الذي خلق الزمان والمكان (الأين)، فقبل خلق الكائنات لم يكن هناك مكان، وبالتالي لا يجوز عقلاً أن يُحتوى الخالق فيما خلقه.

  • استحالة الجسمية والتحيّز: بما أن كل ما يدخل في مكان فهو إما مادي أو محتاج إلى غيره، والله سبحانه منزه عن المادة وعن الأبعاد الثلاثة (الطول والعرض والعمق)، فإن القول بوجوده في مكان بذاته يلزمه الحدوث والاحتياج، وهما صفتان محاللتان على الواجب الوجود.

وقد ورد عن الإام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة وغيره نصوص صريحة تؤكد هذا المعنى، منها قوله: «أَيَّنَ الأَيْنَ فَلا أَيْنَ لَهُ، وجَلَّ عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ»، وقوله: «كانَ الله ولا مَكَان». وبناءً على ذلك، يُجمِع علماء الشيعة على أن الله سبحانه وتعالى لا يجري عليه وصف "الأين" ولا يحده مكان ولا تحيط به الجهات الست.

ثانياً: تفسير معية الله وإحاطته (الوجود القيومي)

إذا كان الله سبحانه وتعالى لا يحده مكان، فكيف يُفهم ما ورد في النصوص الدينية من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ أو ما روي من أن الله في كل مكان?

تُفسر العقيدة الإمامية هذه المعية وهذا الوجود تفسيراً غير مادي، يُعرف بـ "الإحاطة القيومية والإشراقية":

  1. الوجود بالعلم والقدرة لا بالذات الحانية: عندما يقال إن الله في كل مكان، فالمقصود ليس حلول ذاته المقدسة (التي تنزه عنها العقول وتستحيل الإحاطة بها) في الأماكن المادية، بل المقصود أن إحاطته وعلمه وقدرته وسلطانه سارٍ ونافذ في كل ذرة من السماوات والأرض على السواء. لا يبعد عنه أقرب مكان ولا يشتغله مكان عن مكان.

  2. الاستغناء عن المخلوقات: الله سبحانه بائن من خلقه (أي متميز بحقيقته المطلقة عن حقيقة المخلوقات)، وفي الوقت ذاته هو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، قرب تدبير ورحمة وإحاطة علمية لا قرب مسافة والتصاق.

ميني كيس ستادي (دراسة حالة مصغرة): حوار الإمام الصادق مع ابن أبي العوجاء حول مكان الله

في الروايات التاريخية المعتمدة عند الشيعة، تبرز مناظرات دقيقة تعكس هذا الفهم العقدي. ففي إحدى المرات، دخل الملحد المادي "ابن أبي العوجاء" على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وسأله محاججاً حول إثبات وجود الله ومكانه، مطروحاً شبهة: إن كان الله في كل مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟

فأجابه الإمام الصادق (عليه السلام) بمنهجية علمية دقيقة توضح الفارق الجذري بين الخالق والمخلوق، مبدياً أن هذه الصفات إنما تصف المخلوق المادي الذي إذا انتقل من مكان خلا منه مكان وضاق به آخر. أما الله العظيم المَلِك الديّان، فلا يخلو منه مكان إحاطةً وتدبيراً وعِلماً، ولا يحصره مكان، ولا يُقاس بالأقدار والأبعاد المادية، لأنه هو الذي خلق الأماكن والأقدار ابتداءً. هذه المناظرة ترسخ القاعدة الجوهرية: نفي الجهة والحيز عن الذات الإلهية، وإثبات الإحاطة القيومية الشاملة.

وهابي يدعي أن الشيعة يقولون الله في كل مكان

هذا الفيديو يناقش جانباً من النقاشات الكلامية والعقدية المرتبطة بمفهوم مكان الله وكيفية تناول هذه المسألة في الحوارات العلمية والمذهبية.

إكمالاً للبحث في العقيدة الإسلامية وفق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يتضح جلياً أن الإجابة عن سؤال "أين هو الله؟" لا تتجه نحو تحديد مكان أو جهة، بل تنطلق من آيات المحكمات التي تنفي التشبيه والتجسيم كقوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

فالله سبحانه وتعالى، بحسب الفكر الإمامي، منزه عن الحلول في الأشياء أو الاتحاد بها، وعن اللزوم بالمكان أو الزمان. فهو خالق الأمكنة ولا تحيط به البقاع، ومبدع الأزمنة ولا يحده الدهر. إن الاعتقاد بكونه في مكان معين يلزم منه النقص والحاجة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ولفهم هذه الحقيقة بعمق، يمكن تتبع أبرز محاور هذه العقيدة التوحيدية النقية:

  • التنزيه المطلق: رفض أي تصور عقلي يجعل الذات الإلهية عرضة لصفات المادية، كالحركة، أو الانتقال، أو الاستقرار على العرش بمعناه الحسي المجازي.

  • القيومية والإحاطة: إن الله سبحانه محيط بكل شيء علماً وقدرة وتدبيراً، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، لا بالمسافة المكانية، بل بسلطانه القيومي الدائم.

  • الشهود والتدبير: تجلي صفات الحق وأفعاله في نظام الكون لا يعني وجوده المادي في داخله، بل هو المدير والممسك للسماوات والأرض أن تزولا.

وبهذا يتبين أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) يرسخ مفهوماً توحيدياً رفيعاً يتجاوز المحدوديات البشرية، ليؤكد أن الله سبحانه ظاهر في آياته وآثاره، باطن في كنه ذاته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.