مقدمة تمهيدية وإطارية شاملة حول موضوع "هل الله موجود في كل مكان عند الشيعة؟" تُعنى بضبط المصطلحات العَقَدية وتحليل الإشكالية ضمن الفكر الإمامي (الاثنا عشري).

مقدمة في الإشكال العقدي: بين ظاهر النصوص وحقائق التنزيه

يُعدّ سؤال "هل الله موجود في كل مكان؟" من الأسئلة الكلاسيكية التي طالما شغلت المتكلمين والفلاسفة والباحثين في مختلف المذاهب الإسلامية، ولا سيما في المدرسة الكلامية الإمامية (الشيعة الاثنا عشرية). وإذا كان التصور السائد في بعض المدارس الإسلامية أو لدى العامة يتأرجح بين القول بالحضور الذاتي المطلق في كل مكان (الحلول أو السراية) وبين القول بجهة معينة (كالفوقية المكانية الحقيقية)، فإن الفكر العقدي الشيعي المرتكز على تراث أهل البيت (عليهم السلام) يتبنى مقارنة دقيقة وحذرة للغاية تقوم على التنزيه المطلق ونفي التحيّز والمكان عن الذات الإلهية المقدسة.

تستعرض هذه الدراسة النقدية والتحليلية المفصلة الجذور العقدية والنصوص الحديثية والفلسفية التي تفسر هذه المسألة، متجاوزة القراءات السطحية التي قد تخلط بين "القيومية والإحاطة القيومية" وبين "الحلول المادي أو المكاني".

أولاً: القاعدة العقدية الكبرى: نفي المكان والجهة عن الخالق

تستند العقيدة الإمامية في أصل التوحيد إلى مبدأ محوري مفاده أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو منزّه عن عوارض الممكنات ومقومات الأجسام. ومن أهم هذه المقومات: المكان والزمان والجهة.

  1. استحالة الحيز المكاني: وفقاً لمتكلمي الشيعة (مثل الشيخ المفيد، وخواجه نصير الدين الطوسي، والعلامة الحلي)، فإن كل ما يحويه مكان فهو إما أن يكون جسماً أو عرضاً يقوم بالجسم، وكل ذلك حادث محتاج إلى محدِث. الله عز وجل هو خالق المكان والزمان، فقبل خلق المكان لم يكن في مكان، وبعد خلقه لا يحده مكان.

  2. شواهد نهج البلاغة: يُعد كتاب نهج البلاغة المنسوب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المصدر الأساس في بناء المنظومة العقدية الإمامية؛ وفيه إشارات صريحة وتأكيدات بليغة على نفي المكان عن الله. ومن ذلك قوله (عليه السلام):

    "مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة." وقوله أيضاً: "لا يحويه مكان، ولا يقلّه زمان."

ثانياً: تفسير "الإحاطة" و"المعية" في النصوص الدينية

قد يواجه الباحث نصوصاً قرآنية أو روائية تثبت "المعية" الإلهية، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4]، أو قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. فكيف تُفسر هذه النصوص في الفكر الإمامي؟

  • المعية القيومية لا المكانية: يشرح علماء الشيعة المعية الإلهية بأنها معية علم، وإحاطة، وتدبير، وقيومية، وليست معية جسمية أو مكانية. فالله سبحانه محيط بكل مخلوقاته قيوم عليها، بمعنى أن وجود كل شي ء مستمد منه لحظة بلحظة، وهو أقرب إلى كل شيء من حبل وريده لأنه مبدع هويته وحافظ وجوده، لا بمعنى أنه حالٌّ في أجزائه أو متوزع في الأماكن.

  • بطلان مذهب الحلول والسراية: تُجمع المدارس الإمامية على رفض مذهب الحلول (أن يحل الله في الأجسام) ومذهب السراية (أن تسري ذاته في الموجودات)، وتعتبر هاتين المقالتين من غلاة الصوفية أو الفرق المنحرفة التي تُشبه الخالق بالمخلوق (التشبيه والتجسيم)، وهو ما نفته الأحاديث المروية عن الأئمة صراحةً.

ثالثاً: النصوص الحديثية الصريحة في نفي الجهة والمكان

تزخر كتب الحديث المعتبرة لدى الشيعة (مثل الكافي للكليني، والتوحيد للصدوق) بروايات صريحة تؤكد تنزيه الباري عن المكان. ومن أبرزها:

  • ما ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فأجاب مبيناً أن استواءه هو استيلاء وهيمنة وتدبير، وليس استقراراً مكانياً أو جلوساً جسمانياً، مؤكداً أن الله لا يُحدّ بالأمكنة ولا تجري عليه صفات المحدثين.

  • الروايات التي تنفي أن يكون الله في مكان أو على مكان، وتؤكد أنه كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق الأمكنة والأزمنة.

جدول مقارنة تحليلي: التصورات المختلفة لمسزلة "وجود الله"

وجه المقارنةالتصور المجسم (الحشوية)التصور الفلسفي الصوفي المعتدلالتصور الإمامي (الاثنا عشري)
المكان والجهةيثبتون الجهة (الفوقية المكانية الحقيقية)يقولون بالاطلاق العام مع احتمال السراية في بعض المدارسنفي تام للمكان والجهة والتحيّز
طبيعة المعيةمعية ذاتية أو مكانية في بعض التفسيرات المتطرفةمعية وجودية (وحدة الوجود أو الشهود)معية إحاطة، علم، وتدبير (قيومية)
الرؤية العقديةالاعتماد على الظواهر اللفظية دون تأويلالجمع بين البرهان العقلي والكشف الصوفيالتنزيه الخالص مع الجمع بين العقل والنصوص المعصومة

في ختام هذا العرض حول مسألة حضور الله سبحانه وتعالى وعلمه عند الإمامية، يتضح جلياً أن المذهب الجعفري ينزه الباري عز وجل عن الحلول المادي أو التواجد المكاني الحرفي. فالله سبحانه ليس جسداً يسري في الأمكنة، بل هو الخالق للمكان والزمان والمحيط بكل شيء. إن العقيدة الراسخة تقوم على أن الله تعالى بائن من خلقه صفةً وقدرة، وغير بائن منهم علماً وإحاطة؛ فإحاطته القيومية بالكون تعني الهيمنة التامة والتدبير المستمر لكل ذرة فيه دون أن يحتاج إلى حيز أو مكان.

هذا الفهم العميق يمنع أي انزلاق نحو التجسيم أو التشبيه، ويحافظ على التنزيه المطلق للذات الإلهية كما ورد في النصوص الدينية المحكمة. فالقول بأن "الله في كل مكان" يُحمل هنا على معنى القيومية والتدبير وسعة العلم والسلطان، لا على معنى التجاور المادي أو الانقسام في الأجزاء. ومن هنا، فإن العبد يدرك أن الله أقرب إليه من حبل الوريد من جهة اطلاعه الدائم ومراقبته الكلية، لا من جهة الحلول الجسدي. إن استيعاب هذا الفرق الدقيق يعصم المؤمن من التصورات الخاطئة، ويعزز لديه حالة اليقظة الروحية والخشية المستمرة، عالماً أن الله لا تغيب عنه غائبة، وأنه حاضر في تدبيره وملكوته في كل لحظة.