مقدمة حول منهج أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات وتأصيل مفهوم الصفات الذاتية والفعلية استناداً إلى النصوص الشرعية.

استكمالاً لما تم تناوله في الجزء الأول حول منهج السلف في إثبات صفة الوجه لله تعالى بلا تشبيه ولا تعطيل، يتضح أن القضية المحورية في هذا الباب ترتكز على إدراك الفارق بين "الصفة" و"الذات". فقد استقر رأي المحققين من أهل العلم على أن إثبات صفة الوجه يوجب تعظيم الله سبحانه وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، مع التأكيد على أن لغة العرب تقتضي إسناد الصفات للذات دون أن يعني ذلك التجزئة أو التجسيم.

الثمار الإيمانية والتربوية لصفة الوجه

لا يقف إثبات هذه الصفة عند حدود التقرير الاعتقادي، بل يمتد ليعكس آثاراً إيمانية عميقة على سلوك المسلم وحياته:

  • الإخلاص والتوجّه: يُشكل ابتغاء "وجه الله" المحرك الأساسي للأعمال الصالحة في الإسلام، حيث يقترن العمل المقبول بقصد التوجه الصادق لله وحده، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.

  • أعظم نعيم في الآخرة: تُعد رؤية وجه الله الكريم الجائزة الكبرى التي يتمناها المؤمنون في الجنة، وهي الزيادة المشار إليها في القرآن الكريم، مما يبعث في قلب العبد الشوق الدائم للطاعة والعمل الصالح للفوز بهذا المشهد العظيم.

  • التعلق بالباقي وحده: الاستحضار الدائم لقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ يزهد العبد في فناء الدنيا ومتاعها، ويوجه همته نحو الخالد الباقي الذي لا يزول.

الرد على الشبهات والتأويلات

سلك أرباب الكلام المنسوبون إلى التأويل مسالك عدة لإنكار ظاهر الصفة، حيث فسّر بعضهم الوجه بـ "الذات" مجردة، أو بـ "الثواب" والجهة. ويرد علماء أهل السنة على هذا الإشكال بأن سياق النصوص القرآنية والنبوية يأبى هذا الاختزال؛ إذ كيف يوصف الثواب بالجلال والإكرام؟ فالقاعدة الأصولية تقضي بأن الصفة تضاف إلى الذات لإثبات كمالها لا لنفيها، وإن إمرار النص على ظاهره اللائق بالله هو العاصم من الوقوع في محذور التعطيل أو التشبيه.

الخاتمة

يتضح مما سبق أن القول بـ "هل الله له وجه؟" يُجاب عنه بالإثبات الذي جاء به القرآن والسنة، مع قطع الطمع عن تكييف الصفة أو إدراك كنهها؛ إذ إن القواعد العقائدية تُجمع على أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فله سبحانه وجهٌ يليق بجلاله وكماله، لا يشبه وجوه المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.